الهجرة إلى أرض الأحلام

علي صابر محمد *

ما نراه من زحف لمئات الآلاف من العراقيين والسوريين وقلة من جنسيات أخرى خلال هذا العام صوب أوروبا يعد أكبر هجرة جماعية يشهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية ، وما تنقله وسائل الاعلام والقنوات الفضائية من صور مرة لحياة اللاجئين ومعاناتهم ومخاطر الطريق والمغامرات المرعبة التي يخوضونها تمزق الفؤاد وتبعث الأسى في النفوس ، وألف علامة أستفهام تطرح نفسها أمام هذا الانفتاح السريع والكبير من قبل دول القارة العجوز باستقبال النازحين وأظهار وبنحو مفاجيء مواقف أنسانية كبيرة لم يعتد الغرب على أظهارها طيلة عقود بل ان الحدود كانت مغلقة أمام الوافدين عبر البحار والقوانين صارمة والمحددات كثيرة أمام اللجوء الانساني والاتجاه العام لسياسة الغرب هي الاستعمار وأستغلال ثروات الشعوب لمصالحها وأصابع الحكومات الغربية هي التي تتلاعب بمقدرات الشعوب وهي التي تتحمل المسؤولية الكبيرة في تمزيق منطقة الشرق الاوسط وهي نفسها التي تسهم بدعم المتطرفين لزعزعة أمن المنطقة وخلق الفوضى لدعم المشروع الأميريكي برسم خارطة جديدة للشرق الاوسط من خلال تفتيت الدول الكبيرة وخاصة العراق وسوريا وتقسيمها على أساس عرقي وطائفي وتغذية صراع المحاور وبالمقابل يحظى برعاية جيدة من يحالفه الحظ ويجتاز الحواجز ويقتحم الصعاب ويتمكن من الوصول الى هذه الدول ويمنح المأوى والسكن الآمن والاعانة المستمرة وسيجد أمامه فرصة العمل المطلوبة ، أما ما نشهده اليوم من تعاطف ملفت للنظر واهتمام المانيا بالذات تجاه موجات النازحين المستمرة يجعلنا نبحث عن أسباب هذا التحول في السياسة الغربية والنتائج المستقبلية لهذه الموجات.
ان معظم النازحين هم من جنسيات عراقية وسورية اما هرباً من جحيم المعارك والدمار الذي حل بمدنهم او بحثاً عن فرصة عمل بعد انهيار اقتصاد هذه الدول جراء الحروب المفتعلة التي خلقها الغرب او خوفاً من المتطرفين من حملة السلاح خارج اطار الدولة بسبب ضعف الدولة وغياب قوة القانون أو طمعاً بالخدمات والعيش الرغيد الذي أفتقدوه في ديارهم بعيداً عن دخان المدافع ورائحة البارود والخوف من الشارع وما يحمله من مفخخات ، والشباب الذين لا يجدون لهم مستقبلا في بلدانهم يشدون الرحال أملا في الحصول على ضوء ينير ظلام حياتهم وتحقيق أحلامهم ويرسم لهم مستقبلا آمناً وأوروبا اليوم تعاني من اختلال سكاني واضح فنسبة الشباب كأيدٍ عاملة وخاصة في المهن البسيطة فيها قليل جداً قياساً بالأقتصاد المتنامي والانتاجية العالية والكهول والعجائز يشكلون النسبة الكبيرة في المجتمع والثقافة الغربية وعلى مدى عقود أنتجت جيلا يبحث عن التمتع في الحياة واضفاء البهجة عليها قدر الامكان ويمتنع الغالبية منهم عن الانجاب ويتهربون من مسؤولية تربية الاطفال وتنشئتهم كذلك خفتت لدى المجتمع رغبة مواصلة الدراسة والحصول على الشهادات الجامعية ومن استبيانات كثيرة تجد ان أكثر حملة الشهادات العليا والمتفوقين علمياً هم من الوافدين من الخارج أغرتهم ظروف الحياة الجميلة في أوروبا من ترك أوطانهم والانتماء الى العالم الجديد ، وهنا لا بد من الاشارة بان اوروبا لا يمكن لها تأمين الامتيازات نفسها التي كانت تمنح للاجئين في العقود السابقة من رواتب مستمرة وسكن دائم ولجميع الزاحفين فالدعوات المستمرة من قبل الحكومات الغربية باجراء التعديلات على قوانين الهجرة تعني الغاء الكثير من هذه الامتيازات والاكتفاء بالاعداد التي تحتاجها ماكنة الانتاج الاوروبية وتأمين السكن وتوفير الامان لهم ولا يمكن فتح الباب على مصراعيه لكل اللاجئين فالمخاوف ما زالت قائمة من التغيير السكاني الحاصل سيما وهذه الجموع تأتي بثقافة متقاطعة مع الثقافة الغربية وأثبتت التجارب صعوبة انصهارها مع الثقافة الاوروبية وعملية التطبيع لم تنجح معهم وسيواجه اللاجيء تحديات كبيرة في مواجهة عالم مختلف كليا في ديانته وقيمه وأخلاقياته كذلك الخوف من المنظمات الارهابية في استغلال الظاهرة واختراق الامن الاوروبي وبناء خلايا نائمة تنشط حين اللزوم وهذا يؤرق منام المجتمع ، ويمكن ان يكون هذا التعاطف مؤقتاً لحين الانتهاء من تنفيذ المخطط المرسوم للمنطقة وبعدها تعاد هذه الجموع الى أوطانها قسرياً وستتغير الصورة بعد فترة قصيرة وسيصطدم الحالمون بجدار التباين في القيم وطبيعة الحياة وصعوبة التاقلم لنشهد في القريب العاجل عودة الكثير من الزاحفين ، ويجب أن لا نستبعد بأن هذا الانفتاح غير الطبيعي يهدف الى كسب الرأي العام العراقي والسوري لمرحلة ما بعد داعش فسيخرج العراق وكذلك سوريا من هذه الحرب وهما بلدان مدمران ومنهكان ولكنهما يكتنزان خزاناً هائلا من النفط والغاز وبحاجة ماسة الى اعادة اعمار ، فطيبة وكرم هذا اليوم ستأتي بمردودات ايجابية لأوروبا عند المباشرة بالبناء من جديد وعندما يتحول البلدان الى ورشة عمل كبيرة سيكون لأوروبا حصة في مشاريعها فجميع هذه الاحتمالات قائمة ولا نجد في ذلك انتقاصاً فالحسابات الاقتصادية والافق البعيد يتصف بها الغرب بامتياز أما نحن الشعوب المنكوبة فنظرنا لا يبتعد عن غريزتنا وعواطفنا الآنية.
وفي مثل هذه الظروف فان اليأس الذي دب في نفوس الشباب وانقطاع الامل بالغد نتيجة عدم قدرة الحكومات المتعاقبة من توفير مقومات الحياة شبه الطبيعية للمواطن كلها عوامل دفعت الشباب الى الهجرة وتعريض انفسهم وعائلاتهم الى الموت أملا في الوصول الى أرض الاحلام ، فهم ضحية هذه التعقيدات في المشهد السياسي والامني ولكن هؤلاء لا يمثلون كل الشباب والهرب من المشكلة لا يحلها ولا يمنح صاحبها القوة والارادة في التمسك بالأرض ، بل يتطلب مواجهة العاصفة والتصدي لقوى الظلام فهناك من هو صامد بوجه الارهاب بعضهم يقف خلف السواتر مدافعاً عن العراق وأصابعهم لا تفارق الزناد سواء في القوات المسلحة أو الحشد الشعبي وبعضهم الآخر ظهير للمقاتلين يعملون على أصلاح الحال وتعديل المسيرة ومحاربة الفاسدين ، فالبيت العراقي لا يصلحه الا العراقيون أنفسهم فالجميع يتحمل مسؤولية الخراب الذي حل بالبلد وتقويم الاعوجاج واجب على كل عراقي يشعر بانتمائه للوطن.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة