الهجرة.. أسبابها في نظامنا

لم يعرف عن العراق –كظاهرة- انه مجتمع مهاجر.. على العكس كان عبر التاريخ بلداً مستقبلاً للاقوام.. اما طلباً للعيش او للعلم او فراراً من موت، كمذابح الارمن في تركيا (1915)، ومجيء اعداد غير قليلة للاستقرار هنا، علماً ان للارمن تواجدات قديمة عندنا قدم المسيحية نفسها.
فالهجرات الاوروبية للمستعمرات والعالم الجديد، كانت هجرات ذات طابع اقتصادي واستيطاني.. فارست في مجتمعاتها الجديدة مبادىء كسب الثروة والعمل اللذين صارا محور الحياة.. فعندما خرج «كولومبس» (1492) فان هدفه كان الوصول الى الهند بالانطلاق غرباً كبرهان لكروية الارض، ولفتح طرق جديدة، ولجني الثروات، ناهيك عن المطامح الدينية.. لذلك ليس غريباً ان تترافق حملة «كولومبس» مع سقوط آخر معاقل المسلمين في الاندلس بسقوط مملكة «غرناطة» (1492). وعندما وصل «كولومبس» الى «جزر الكاريبي» اعتقد انه وصل للهند الغربية.. فسمي شعوب القارتين بـ»الهنود الحمر».
وكامثلة اخرى نجد هجرات بلاد الشام وبعض الدول الافريقية والاسيوية كهجرات لطلب العيش والعمل، او كاسترقاق، كما بالنسبة لافريقيا. فالهجرة في جانب منها حركة طبيعية للتدافع ولتوازن العوامل الديموغرافية والاقتصادية.. لكنها بجانبها الاخر حركة منظمة للحرب والاستيطان ولامتلاك قدرات جديدة بكلف رخيصة وجهود قليلة. واذا تركنا سياسات الغزو والاستعمار فسنجد ان معظم، ان لم نقل جميع البلدان الغنية الغربية، قد نظمت سياسة تجنيد محاربين، او لتحقيق توازنات سكانية بسبب تراجع معدلات التكاثر، او لاستقبال المهاجرين كجزء من عملية مصادر رخيصة للطاقة البشرية. فالاحصاءات الاميركية –مثلاً- تتكلم عن 245 الف دولار لتنشئة طفل لعائلة متوسطة (من دون ذكر تكلفة الدولة) من الولادة وحتى 18 عاماً، في حين الكلفة في البلدان الفقيرة 16200 دولار للفترة نفسها، تتكلفها العائلة الفقيرة، من دون ذكر ما تصرفه الحكومة. بدأ العراق بدوره بالتعرف على الهجرة خلال العقود الاخيرة.. واذا تركنا بعض الحالات الفردية وحركة العشائر والسكان الحدوديين مع دول الجوار، فقد نجد ان اهم اسبابها هي العوامل السياسية وسياسات القمع. فكانت اولى الهجرات المعاصرة هي هجرة العديد من الاشوريين بعد احداث «سميل» (1933) ونفي «مار شمعون» خارج البلاد.. ثم شهدنا في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين حركة تهجير واسعة شملت مئات الاف العراقيين من الشيعة والكرد الفيلية (العراقيون حملة الجنسية الباء (التبعية))، مترافقة مع استقدام الملايين من البلدان العربية في اطار سياسة عنصرية طائفية ما زالت تلقي بظلالها على اوضاعنا الراهنة.. ومع ازدياد القمع المفرط وكثرة الحروب الداخلية والخارجية وفشل انتفاضة 1991 وتدهور اوضاع البلاد، هاجرت اعداد كبيرة اطعاماً من جوع وامناً من خوف ، لتشمل هذه المرة جميع المكونات.
لم تتوقف الهجرة بعد 2003، ولاشك ان عامل الارهاب والعنف بقي عاملاً اساسياً فيها، لكن العوامل الاقتصادية بدأت بلعب ادوار متزايدة. اما الهجرات الاخيرة فلقد تزايدت اعداد الباحثين عن احلام حقيقية كفقدان كثيرين –عن حق- لاحلامهم واملهم في وطنهم.. او وهمية هدفها الحصول على المعونات الرخيصة واحلام الحياة الرغيدة.. لذلك غالباً ما يصطدم كثيرون بوقائع لم يفكروا بها، فتفرض عليهم شروطاً قاسية ويطالبون بممارسة اعمال يعتقدونها اقل من مؤهلاتهم. فالبلدان المستقبلة التي تبدو بعضها كريمة وانسانية في جانب، لكن لها من الجانب الاخر دوافع تتعدى العوامل الانسانية او حسابات الجمعيات الخيرية، وتتحمل بدورها مسؤوليات نتيجة سياساتها اللامتوازنة وغير العادلة، الاقليمية والدولية
يجب عدم القاء اللوم على المهاجرين فقط، بل معظمه يقع علينا ايضاً، مما يتطلب مراجعة شاملة للظاهرة.. وتبني سياسات اكثر كفاءة مع النازحين داخلياً، واكثر جدية وشمولية للمهاجرين سواء في معابرهم الخطرة او مع السلطات المستقبلة.. والاهم من ذلك كله، التخلي عن سياسات الاقصاء والتطرف، وترتيب البيت الداخلي، وتجديد الامال والاحلام والافراح بوطن آمن وشعب متعايش ومتسامح، قادر على استثمار طاقاته وامكانياته خصوصاً البشرية. فالعراق قادر –باذنه تعالى- على تحقيق ذلك لو اصلحنا ما بانفسنا.
عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة