قهقهات قاتلة

منذ وقت مبكر أدرك الكاتب متعدد الهويات (أمين معلوف) الاحتياطات الهائلة من حقول الالغام المميتة على تضاريس هذه المضارب المنكوبة بالسبات الجليل، وقد دون ذلك بدقة عميقة في كتابه ذائع الصيت (الهويات القاتلة) حيث لخص لنا العواقب المريرة لبواكير العبث بمثل تلك الموروثات الصدئة في بلد كان هو الاجمل والارقى (لبنان).
أما اليوم وبعد دخول شعوب وقبائل وملل “خير امة” أفواجاً الى اعماق ودهاليز تلك الحقول، مصحوبين بشريط طويل من الاهازيج الحماسية، وماراثونات الانتقال الجمعي الى العالم الآخر، نكون قد تجاوزنا ما اكتشفه ذلك الحكيم الى ما يمكن ان نطلق عليه بـ (القهقهات القاتلة).
ان هذا العصف الجمعي من الهرولات لنهش بعضنا البعض الآخر والتفنن في تقنية الانتهاكات الهمجية، تشير بوضوح لنوع البضائع التي حصدناها من ذلك الاصرار العضال على دغدغة الغرائز المتدنية للجموع، خاصة بعد ان أتاح عالم “القرية الكونية” وثورة تقنية التواصل والاتصالات آخر ما تم انتاجه من منابر سمعبصرية والكترونية واجتماعية لسدنة هذا الفن (الدغدغة الجمعية) كي يرتقوا به الى ذرا لم يعرفها تاريخ سلالات بني آدم من قبل. تتحدث الارقام عن مئات من هذه المنابر الحداثوية (فضائيات، اذاعات، ومواقع تواصل اجتماعي و…) تئن اليوم تحت وطأة الخطابات الطائفية والشوفينية، والتي لا هم لها سوى بث روح الكراهة والاحقاد ضد الآخر المختلف رطانة وهذياناً. لقد شهدت العقود الأخيرة من حياة هذه المجتمعات تطوراً نوعياً وضخماً، خاصة بعد انخراط الامدادات الخرافية للرزق الريعي في سباق الدغدغة والتعبئة والتجيش هذا، لقد ولجنا ببركة هذه الامدادات الى حقبة (القهقهات القاتلة) بعد شوط طويل من الانفلات وخوار القوى ووهن الضمائر والعقول.
هذا ما طفح عن عودتنا الظافرة والعاصفة الى ملاذاتنا القاتلة وترسانتها المتخمة بالاوهام والعبودية والأكاذيب. كل هذه الانتهاكات والهمجية في التعاطي مع معطيات وتحديات الحياة الحديثة، والتي نبشت بكل ما هو نتن وقبيح لأكثرصفحات تاريخنا الغابر عتمة؛ وما زال “علماء الأمة” من شتى رطاناتها وازيائها، منشغلين في اقتفاء أثر الشيطان وسلالاته المتربصة بقدر هذه الأمة ورسالتها الخالدة. هذه الرسالة التي اعلنت عنها حفرية (داعش) عبر وسائل اعلامها الحداثوي: (جئناكم بالذبح). ومن يتعقب قليلاً ما ينضح عن هذه المؤسسات الرسمية منها او الشعبية، سوف يكتشف حجم الخواء والتواطؤ، والعجز في أفضل الاحوال بمواجهة حزمة المصائر الجهنمية التي تنتظرنا “شعوبا وقبائل” عند نهاية هذا المسلسل الطويل من الهزائم والخيبات المدججة بالقهقهات القاتلة..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة