لا تفتح الباب..!!

معتز رشدي:

لا اعلم ما الذي يراه البعض من شاعرية في قصائد عبد الرزاق عبد الواحد؟ علمتني قراءاتي المتنوعة للشعرين العربي والعالمي، ان الشاعر الحقيقي هو ذاك الذي يمتلك القدرة على مخاطبة الإنسان في كل زمان ومكان، أما الاكتفاء بمخاطبة شخص واحد، هو شخص الطاغية وحاشيته من عديمي الذائقة الشعرية، وفاقدي ادنى مشاعر الانسانية، ببلاغة موروثة خالية من التجديد.. بلاغة ورثت من قديمنا التليد احط ما فيه، فهي والعدم الشعري، الذي مآله النسيان سواء بسواء.
هل كان عبد الرزاق عبد الواحد نفسه يؤمن باناشيده المتعضلة عن قائده الأوحد؟ ان كان يؤمن بها فهو مريض نفسي مكانه المصحة! وان كان لا يؤمن فهو كذاب أشر، جعل من موهبته- لنفترض انه موهوب- مطية يركبها لذوي الجاه، حيث رائحة الدنانير، ورنين الدراهم، وأحضان النساء.
ما الذي اضافه الشاعر لمنجزات الشعراء الآخرين من مجايليه، كحسب الشيخ جعفر، ويوسف الصائغ، وسعدي يوسف؟ ربما تورط بعضهم في كيل المديح للطاغية، ولكنهم، من جهة اخرى، انجزوا منجزهم الآخر، الشعري، والخالي من اوضار المرحلة السياسية التي وجدوا انفسهم اسرى شباكها الجهنمية التي لا ترحم.
لقد انجزوا شيئاً يخاطب الانسان فينا، انساننا المتطلع إلى قيم خالدة، هي قيم المحبة والجمال واللوعة والأسى والفقد والحيرة. وهم فعلوا ذلك بطرائق حديثة حقاً، واصيلة، لها قدم راسخة في التراث، واخرى لا تقل رسوخاً في حداثة انطلقت مع رواد الحداثة الاوائل كالسياب والبياتي ونازك.
جددوا في العبارة، وعثروا على اشكال ملائمة لشعر جديد، خاطبوا من خلاله ذائقة جديدة. ما الذي فعله عبد الرزاق عبد الواحد؟ ان صيغ التهويل في شعره الاقرب الى نفسه، اي شعر المديح، لمما تعافه النفس، ويمجه الذوق، لقرب فيه الى شطارة القزم في اقصى تجلياته السوبرمانية! وهي صفة وجدت صداها لدى زعيم بدوي رث يرى في الحفرة ناطحة للسحاب، وفي البعير حاملة للطائرات، وفي شاربه الدائم الارتجاف دستوراً عتيداً لبلاد وضع اجمل ما فيها في خدمة أحط ما في روحه المسكونة بشياطين البلاغة العربية، التي اضاعت نفسها وضيعتنا.
يتحجج بعض محبيه بقصائد وجدانية له، مطلع اشهرها، هو القائل فيه ( لا تطرق الباب تدري أنهم رحلوا، خذ المفاتيح وافتحْ ايها الرجل)، اتدرون ما الذي وجدته بعد ان أزلت عنه مساحيقه البلاغية التي تتزلف، تزلفاً لا طائل فيه، إلى نبرة تتوخى العذوبة والأسى الفارغين؟ وجدت التالي ( خي لا تدك الباب، تدري البعث رحال. عندك مفاتيحك، وافتح يا رجال!).
لست في معرض تسخيف ما يجده بعض معجبي الشاعر فيه من مجترحات شعرية لا نراها، ولكن، بربكم! فسروا لي بيته الشعري الماثل، اعلاه، تفسيراً مقنعاً؟ ان شعراً يمكننا رده، بعد ازاله مساحيقه، إلى مصادره الحقيقية الرثة، والخالية من سحر الشعر، وتشعب معانيه، لا يصلح ان نطلق عليه تسمية الشعر؛ فالطغاة لا يرحلون فرادى عزيزي القاريء، واما المفاتيح التي حدثنا الشاعر عنها، فهي خردة صدئة، لا تصلح لفتح شيء. وربما هي لا تصلح الا لنبش ذاكرة موجوعة لضحية، من ضحايا شاعر الطاغية والذين معه.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة