الطواف تحت نصب الحرية

نهاية الخمسينيات من القرن المنصرم تخمرت فكرة هذا النصب العظيم (الحرية) في عقل وخيال الفنان الخالد جواد سليم ونضجت ملامحها النهائية بمساهمة وعون غير القليل من أبرز مبدعي العراق آنذاك، نصب احتضنت رقمه البرونزية ارث هذا الوطن القديم وآماله المشروعة ووثباته الظافرة من أجل الحرية والكرامة. لقد جذب منذ اللحظة الاولى لظهوره اهتمام لا سكان مدينة بغداد والمدن العراقية الاخرى وحسب بل جميع المهتمين بمثل هذه الفنون الراقية في العالم، واصبح رمزاً وجسراً للتواصل مع ذلك الارث المنسي لهذه الارض التي دارت على تضاريسها أول عجلة وعرفت مدوناتها باكورة التشريعات البشرية. وبالضد من تلك الآمال المشروعة والطموحة التي حملها ذلك النصب وسط ساحة التحرير، رمتنا الأقدار وبعد أقل من عامين على تشييده بمفاجآت لم تخطر على بال ذلك الفنان الذي رحل قبل اكتمال تحفته الرائعة تلك؛ حيث تسلل (المنحرفون) الى حيث السلطة والدفة والقرار، ليتحول مشروع الحلم الوطني الى سلسلة من الفجائع والكوابيس يتواصل جهادها ونكاحها وعويلها الى يومنا هذا.
ومن الأهمية بمكان الاشارة الى ان هذا النصب وبالرغم من غربته عن الأحوال التي ألمت بنا في العقود الأخيرة، الا انه ظل يشكل غصة دائمة في جوف تلك المخلوقات والمجاميع الممسوخة، وقد سعت زمرة المنحرفين منذ اللحظة الاولى لاغتيال الجمهورية الاولى على تحطيم ذلك النصب التاريخي غير ان مساعيهم تلك باءت بالفشل. ومثل هذه الاحداث تؤكد لنا معنى ومغزى الرسالة التي دونها الازميل الملهم لجواد سليم، والتي تتنافر وغير القليل من الخطابات واللافتات المتدافعة هذه الاسابيع تحت نصبه الخالد. ان حالة الطواف تحت نصب الحرية كل يوم جمعة تحول الى ما يشبه الشعيرة الدينية والطائفية، وبحماسة حيتان ما بعد حقبة التغيير، تحولت ساحة التحرير الى ميدان لتصفية الحسابات السياسية والتكتيكية لهذه القوى والكتل والابواق والمنصات التي تقف خلف كل هذا الضيم والكوارث التي هطلت على مضاربنا في الاعوام الأخيرة. من يدرك معنى وروح هذا النصب يدرك مدى غربته عن مشاريع هذه القوى، وعن وغف الثورويات المجنحة والمقطوعة الصلة بذلك الارث والصفحات البطولية من الكفاح والاحتجاجات الرائدة والتي توجها جواد سليم وسط ساحة التحرير بذلك النصب العظيم.
من يتظاهر تحت نصب الحرية، عليه اولاً التعرف على دلالات وشحنات ذلك المكان، كي يتناغم وروح وايقاع تلك المدونة الخالدة للكفاح من اجل الحرية والكرامة والتعددية وما يتجحفل معها من مفردات العصر الحديث لا تلك الرطانات التي عفا عليها الزمن منذ قرون. عليه ان يعرف شيئاً من ذلك الارث المنسي لتظاهرات واحتجاجات ووثبات شعبه الرائدة كي يكون امتداداً لها، لا ان يترك مصير التظاهرات نهباً للأمزجة الشخصية وفضلات العناد الأجوف والذي يهرول مسرعاً الى حيث المكب النهائي لمثل هذه الفزعات. كل المؤشرات تؤكد تحول هذه النشاطات الى نوع من الطواف والسفرات الاسبوعية وحشد من الأجندات والغايات التي لاتطيق مجساتها سماع كل ما يتعلق بهذه المفردة المارقة … الحرية
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة