مقابر الكتب

الشاعر والروائي والفنان والكاتب الميت أفضل من الحي. والبعيد أفضل من القريب. والساكت الخانس الضام راسه أفضل من المحترق بنار حبه للانسان وللوطن وللعالم. صار عندنا بديهيا نحن معشر(اذكروا حسنات موتاكم) و(كول خير صار خير) وخزعبلات كثيرة نقدسها ونضع حولها هالة سماوية ممنوع وحرام مسها. أي مبدع حي مشكوك فيه وانتاجه محط أخذ ورد لكنه حالما يموت ينجم اسمه للمجرات وتصير كتاباته فوق النقد وأرفع من التقييم وخارج مدارات المعرفة الارضية. لذلك اكتشف الكثير من الكتاب هذه اللعبة واحاطوا أنفسهم برهبة الموت وتقمصوا كفن النجومية وتعطروا بكافور الشهرة. ادخلوا ذاتهم المبدعة في قدسية الموت وهم احياء حتى لا تنالهم سهام النقد والشك والسخرية الموجهة للاحياء فقط. ناموا في قبور بيوتهم المكيفة لا يراهم احد ولا يسمع أنفاسهم قارئ ومشاهد وعابر سبيل، كأنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يذهبون للمرحاض وبين فترة وفترة اخرى تخرج يد من القبر تحمل كتاباً تهرول به ملائكة الناس الطيبين الى دور النشر. لا يشغل هؤلاء المبدعين في قبورهم المكيفة أي كارثة تمر بالبلاد ولا يهمهم القتل الجماعي للناس قراؤهم الابرياء في الشوارع والاسواق والساحات. لا يعنيهم نزيف البلاد ويخافون لو صرحوا باسم القاتل فانهم سيفقدون بعض القراء وسيكرههم القراء العرب لو ذكروا اسم انتحاري سعودي او فلسطيني. يخططون عن سابق رصد وتصميم لنيل الجوائز الخليجية والعربية فهم يفصلون كتابهم على وفق سياسة المانحين للجوائز، ولا يلتفتون لتهمة التزوير وتسويف الحوادث. منذ الفين وثلاثة صار الكاتب الناجح عند العرب من يسيء للعراق ويخرب سمعته ويطعن بتاريخه ويسخر من حضارته ويهين شعبه. ان اكثر النجوم العراقيين اليوم عند العرب هم المزورون للواقع وللتاريخ بحيث يكون الذباح والانتحاري من جنسيات لاتينية وليس عربية اسلامية فجميع العالم يعرف ان المجاهدين التونسيين يحتلون مرتبة الارهاب الاولى يأتي بعدهم المجاهدون السعوديون. وها نحن نقرأ الشعر والروايات والمقالات للمبدعين النجوم لا يذكرون أي ذباح سعودي أو انتحاري فلسطيني من اجل كسرة خبز الشهرة وفضلات النجومية. وقد وصف المسيح هؤلاء النجوم العراقيين قبل ثلاثة الاف سنة بمقولته الشهيرة( ما فائدة ان تربح الدنيا وتخسر نفسك). كل جائزة هي وثيقة عار للمبدع لو خان فيها الضحية وبرأ الجلاد. وصمة عار هي الجائزة اذا اضطر المبدع للتزوير بتغيير جنسية الانتحاري وتبديل اسم الذباح العربي الاسلامي باسم آخر. الجميع يموت ويبقى الكتاب وثيقة روح لصاحبها أما ترميه في مزبلة المزورين او ترفعه لمصاف هوميروس وتولستوي وهمنغواي ودستويفسكي. هنا عندنا مات الكثير وهم احياء وطمس إنتاجهم للحضيض في مستنقعات النسيان لأنهم نكثوا بضميرهم وخانوا ذواتهم الانسانية فماتوا قبل دفنهم.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة