هل ثمة حاجة إلى الإصلاح؟

عندما وصل الى سمع وأبصار سكان هذه المضارب المسكونة بالثوابت الجليلة، خبر وجود عوالم اخرى استغنت عن خدمات سفن الصحراء لصالح سفن اخرى تشق عباب المحيطات والسماوات، انتابت غير القليل منهم نوبات من الحماسة لامتلاك مثل تلك المقتنيات الساحرة والوسائل الجذابة، لكن لم يمر وقت طويل على تلك الفزعات للتشبه بتلك الامم والاقوام، حتى وجدت شعوب وقبائل وملل هذه المضارب المنحوسة نفسها؛ وسط سيل من مخلوقات ومشاريع ورطانة العصور الوسطى وما قبلها.
مثل هذا الأمر الجلل لم يلفت انتباه “علماء” هذه الامة وحسب بل زادت ايمانهم بقدراتهم الخرافية على اجتراح المعجزات من دون خلق الله، بوصفهم سدنة خزائن علوم الأرض والسماء. ومع مثل هذه العقول والعقائد يكون أمر الحاجة الى الاصلاحات نوعا من العبث وهدرا للوقت والطاقات.
الاصلاح، مفردة لاتنتمي لقواميس مجتمعات تحتفي الى يومنا هذا بمآثر “النهاب الوهاب” و “الفتوحات الاسطورية” لاسلافهم العظام ومدوناتهم المثقلة بآلام وأوجاع بقية سلالات بني آدم ممن وضعهم حظهم العاثر نهباً لحوافر خيول وأبل ودواب اسلافهم من الفاتحين الاوائل وغير ذلك من الموروثات التي ادانتها الامم التي وصلت لسن التكليف الحضاري. ان وهم الاصلاحات لايمكن ان يتحول الى واقع على هذه التضاريس من دون التريث اولاً عند هذه المحطات المعتمة والتي تمد هلوساتنا الراهنة بكل ما تحتاجه من شروط وغايات ومبررات لتقمص روح تلك المآثر ورسالتها الخالدة برغم انف الزمان والمكان ومتطلبات الدنيا الفانية..؟!
كيف نتجرأ على مثل هذه المفردات الحداثوية ونحن نضع على رأس مؤسسات التعليم وزراء مسكونة جماجمهم بحلم الامبراطوريات المبادة ويلهج لسانهم برطانة الغبار والابل والبعرور وغير ذلك من المقنيات المحظورة في المدن الحديثة. ومن يعرف قليلاً عن حال اصطبلات التعليم في هذه المستوطنة القديمة يدرك مدى عقم وعبث استعمال مثل هذه المفردات ومنها (الاصلاح) على سبيل المثال لا الحصر. ان فشلنا وخيباتنا المستمرة لن تنقطع مع مثل هذه الحمولات القاتلة، والتي تقف بالمرصاد لكل من تسول له نفسه الامارة بالمروق عن جادة “ثوابتنا” المجربة والمسؤولة عن كل هذا العز والامن والاستقرار الذي نعيشه..!
كما ان الاصلاح وغيره من الامنيات الطيبة، لن يتحقق مع مثل هذا الحطام من اشباه المثقفين والاعلاميين وهذه الجيوش الجرارة من حاملي العناوين والالقاب العلمية والتي أدهشت فتوحاتهم الفضائية في مجال اختصاصاتهم سكان هذا العالم الذي حوله التخصص الى قرية. مع مثل هذه المعطيات ووسط هذه المناخات والهذيانات، لا مناص لهذه الفزعة الجديدة من (الاصلاح) عن الالتحاق بسابقاتها من الموجات التي انطلقت بداية القرن المنصرم، مع حجم من الفواتير الكارثية يليق بالمسافات الخارقة التي تقهقرنا اليها في العقود الأخيرة واهدتنا كل هذا الفيض من مفردات المتاحف والأضابير التاريخية من نسيج (القادسية، بدر، الحاكمية، ولاية الفقيه، الخلافة ..) هكذا اصلحنا حالنا على ضوء خارطة طريق القيل والقال وعن فلان قال….
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة