الأخبار العاجلة

(التيفناغ) وبربرية الخط في تجربة الفنّان الجزائري إسماعيل المطماطي

نبيهة بوزاخرـ الجزائر:
في ظروف التغيرات الاجتماعية والمفاهيم الفكرية التي سادت الساحة الجزائرية و العربية في نهاية القرن العشرين أخذ الفنان اسماعيل المطماطي يميل نحو التفكير بالقيم التراثية العربية، وراح يعيد النظر فيما تركته هذه القيم من حالات روحية وتأثيرات مادية في الفنّ والحياة، وشرع يتمثل تلك القيم بعقله و قلبه وسلوكه. لقد حاول أن يستقي من الخط البربري والرموز الأمازيغية تشكيلات جديدة اودعها في لوحاته الخطية سعيا منه لخلق توازن بين الفكرة والتشكيل ضمن صياغة معاصرة إعتمد فيها على مادة الجبس والطين و الأندوي و الالوان الزيتية التي سخرها لمعالجة موضوعه الأساس وهو الخط البربري كتعّلة للفعل التشكيلي . فقد اختار الفنّان أحجام صغيرة للوحاته الخطية التي راحت تتسامى في أشكالها وحروفها الرشيقة التي تغلغلت في فضاء ومساحة اللوحات دونما حضور واضح للكتلة التي توزعت في أرجاء اللوحة و التي كثرت نتوءاتها و تجاويفها، وتوازنت عناصرها موحية بجدران المغاور عبر صيغة جمالية معاصرة غاية في البساطة.
يقول اسماعيل المطماطي «إن الخط البربري، فنّا لإحياء التيفيناغ»، وهكذا تابع الفنّان تجربته بنفس عميق ولم يفكر أبدا في المضي في نهجه الأكاديمي في معالجة الصورة فقد جاءت أعماله في معارضه الاولى تحمل صيغة محدثة تنطلق من نسخ الاشكال و تبسيطها بحيث تقترب من صيغ العلامات و الأحرف الأمازيغية .فسطوح لوحاته تقارب سطوح الرمال التي زحزحتها الرياح فبقيت نتوءات الحجارة والصخور بارزة هنا وهناك، فمعالجة الفنّان للوحاته على هذا النحو هو تجرّد من القواعد الاّكاديمية الصارمة للعمل الخطي التي يراعي فيها الفنّان المفاهيم التشريحية والنسب التقليدية للحرف، فرغم تعليمه الاكاديمي إلا أن توجهه كفنّان نحو صياغة جديدة في معالجة الخط الأمازيغي محاولة جادة في تجاوز الخطوط التقليدية نحو إحياء خط طواه الزمن وأنستنا فيه تعاقب الحضارات و الثقافات و تتاليها على ضفاف البحر الابيض المتوسط وبلدان شمال افريقيا.
ان الإعجاب بأعمال و لوحات الفنّان اسماعيل المطماطي كلوحات تعبيرية تستحضر الخط كمفردة ليس بكاف بل إن المميز في هذا الاستحضار هو العودة الى إحياء خط (التفيناغ) في تجربة تشكيلية معاصرة. صحيح ان الفنّان لم يفكر في تقليد الخط كما هو و لكنه كان يكتفي بما يوهم المشاهد به من جمال حضارة عريقة ضاربة في الاصول، و بذلك وجه الفنّان عقيدة اعماله الفنّية في المزج بين علامات التفيناغ و الألوان التي تحمل رسالة المحبة و الأمل و الحرية الى درجة أن لوحاته أصبحت ناطقة بلغة عالمية تستهدف المتقبل نحو التفكير و التأمل. يقول الفنان «أريد الوصول بالخط البربري إلى أقصى و أبعد الحدود ففنّي هو إحياء لثقافة عريقة «.
لقد إستطاع الفنّان المطماطي أن يغزو بتجربته التشكيلية البربرية عالم الفنّ في الجزائر وفي فرنسا من حيث تفرد أسلوبه التعبيري الذي أعطاه دفعا فريدا من نوعه نحو الإبداع. لقد إعتمد الفنّان على ذاكرة بصرية و سمعية للثقافة الأمازيغية في تجربة فنّية تجمع القديم بالمعاصر و تستفيد من انجازات الحضارة البربرية الامازيغية فاستفاد بذلك من الثقافة باستنطاق لغتها في محاولة إبداعية جمالية و هذا ما جعله يزاوج بين التشكيل المعاصر و المضمون الإنساني المتطلّع إلى تحرير الإنسان و نهوضه القوي نحو حياة متجددة، مما أسفر عن إنتاجه لمجموعة ضخمة من الأعمال الخطية التي تسعى إلى صياغة الخطّ البربري الأمازيغي نحو رؤية حديثة عبر حلول تشكيلية تقترب من التجريد في تكوينها العام من غير أن تطمس الملامح الأساسية للأباجدية البربرية التي حورتها يد الفنّان لتنسجم مع التوجه المعاصر و معالجة المادة بأسلوب يكشف عن طاقته التعبيرية و خصائصها المتنوعة .
لقد كان الفنّان يودع في أعماله كل المعاناة و الضغوطات التي تكرسها الحياة في عصر بات فيه الانسان منسلخا عن هويته و ذاتيته خاضعا لقوى قاهرة تحيط به و تتركه فريسة للتغريب و الانحلال ضمن ثقافات الأخر. لقد أحس في أعماقه بهواجسه المقهورة التي تتنفس و تؤكد وجودها بإلحاح من أجل خلق علاقة حميمية بين الخط و الكتلة و السطح.
فلقد كانت قصائد الشعراء الأمازيغيين و كتاباتهم تثير لديه الإعجاب بقدرة مبدعيها على إختزان هذه اللغة المنسية في الذاكرة وما تحمله من قيم روحية و مفاهيم إجتماعية مفعمة بكثير من الصدق و العفوية. يقول الفيلسوف هازلت «تكتسب أتفه الأشياء حين تستعيدها عين الذاكرة تلك الحيوية و الرهافة و الأهمية التي تكتسبها الحشرات أثناء النظر إليها عبر زجاجة مكبرة، لا حدّ للبهاء و التنوع».
فقد كانت هذه الحروف تبعث فيه الرغبة في تطويع الحروف الأباجدية و إختزالها لصالح الموقف التشّكيلي الذي يزاوج بين الفكرة و المضمون فيجد نفسه مشحون بقوة و ببراعة خارقة في تأسيس أحرفه و نصوصه من خلال الاهتمام بالتفصيلات التي تتضمن تشكيلات هندسية و مفاهيم تشريحية واعية تنم على مقدرة الفنّان و قدرته المبدعة على محاكاة حركات ووضعيات الأحرف داخل المساحات اللونية مع إبراز طاقاتها التعبيرية المتنوعة.
هذه هي فكرته إحياء الذاكرة في تجربة فنّية من خلال رحلة إلى تراث غير مادي يقدمها لنا الفنّان اسماعيل ليعود بنا الى أصول و جذور غيبت و طمس معالمها عبر الزمن .
يقول المطماطي «هنا تتداخل وظائف الذاكرة و المخيلة او ربما تصبح غير قابلة للتمييز، فالمخيلة هي تلك القدرة التي تخرج بمضامين عامة من اللحظات الخاصة، التي تستطيع أن ترى و تجعل الأخرين يرون العام في الخاص». و يمكن فهم القيمة التي نوليها لعملية التذكر انطلاقا من النقطة التي تتداخل فيها الذاكرة مع المخيلة على وجه الدقة. مما يمكن الاستمرارية المادية و البيولوجية و هوية المرء الذاتية التي تضمنها الذاكرة و يؤكدها التحول الى قيمة دائمة و شاملة من خلال المحاولات التي قد نبذلها لتحويل الذاكرة الى فنّ».
هنا نتمثل فكرة استدعاء الماضي اللامادي و استحضاره في اعمال تشكيلية تصويرية معاصرة محملة بالرسوم و النقوش و التراكيب من الكتابات و العبارات الامازيغية.
هذا ما يدفعنا ضرورة إلى الإقرار بأننا يمكن إعتباره نهج فنّي إستطاع من خلاله إسماعيل أن يؤلف أعمال شمولية من الأبجدية البرّبرية أي «التفيناغ» وذلك بإستخدام فنّ الخط و بالتالي فإن هذه الأعمال تكشف عن تقاطع و إجتماع عدة تقنيات من أجل الإبتكار و إعطاء لمسة و إضافة فنّية تشكيلية معاصرة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة