الاستياء وثقوب التفريط

ما جرى ويجري على تضاريس هذه المستوطنة القديمة من جرائم وانتهاكات ونكبات، تستحق لا حزمة من الفرمانات الفاشوشية والاحتجاجات الاستعراضية كما هو حاصل اليوم، بل حزمة من الثورات والانتفاضات غير المسبوقة في تاريخ البشر القديم والحديث. هذا أمر لا شك فيه. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بمرارة، لماذا تتكرر الخيبات والسيناريوهات الأشد بشاعة يوما بعد يوم من دون تحقيق أي شيئ يمت بصلة لمثل هذه الوثبات المشروعة؟
الثورة والاصلاح والتغيير تتطلب العديد من الشروط والقوى والأدوات المجربة في مجال تحويل مشاعر السخط والاستياء الى روافد مهمة في هذا المجال، لا تبديدها وهدرها عبر زجها بمواجهات ومنازلات مغامرة ومتهورة، كما حصل في غير القليل من مفترقات الطرق، وأفضت الى ما نحن عليه اليوم من حال مزر في الاستعداد والمعنويات، ومن متاهات لا يدرك قعرها أفضل الخبراء في مجال السياسة وخدمة الشأن العام. لقد أهدرنا غير القليل من الفرص التاريخية، ويبدو ان الغوث العابر للمحيطات والذي ازاح عن كواهلنا كابوس (جمهورية الخوف) لن يكون الهدر الأخير، مع مثل هذه المناخات من الهلوسة والهذيان الطاغية في المشهد الراهن.
لن نجافي الواقعية والانصاف، عندما نضع سكان هذا الوطن المنكوب من شتى الرطانات والازياء، على رأس قائمة المجتمعات والافراد الأكثر تذمراً بين سلالات بني آدم. وهذا يعود لأسباب متعددة موضوعية وذاتية، وبسبب من استمرار العجز والفشل لأكثر من نصف قرن، تحول ذلك الى ما يشبه الفولكلور الوطني، حيث طول مدة العجز والخنوع، والانتاج الواسع للتذمر والغضب الفاشوشي، ابتكر سبيلاً للنجاة من فيضانات الاستياء هذه عبر أجيال متعددة من صمامات التصريف.
وما يحصل اليوم لا يختلف كثيراً عن تقاليد الدمار الشامل هذه، فلا الاصلاحات المزعومة ستعالج هذا الفالج الوطني ولا الاحتجاجات وشعاراتها المجنحة المهرولة سريعاً الى ملاذاتها المجربة (ثقوب التفريط) ستترك اثراً غير اعادة انتاج الخيبة وتزويد موروث غنائنا واناشيدنا الحزينة بنشيج اضافي من النحيب والعويل. وكما قيل قديماً (نحن قوم في مصيبة) ومصيبتنا في نوع الاوهام والخزعبلات التي اختارت جماجمنا من دون خلق الله. وفي أراشيف هذه الخزعبلات الجليلة يمكننا اكتشاف ما يمكن ان يساعدنا على تلمس سر هذه الهزائم والفزعات والنوبات المسعورة. ومن يتابع تطور الاحداث بموضوعية وواقعية، لن يعدم البينة والدليل على مثل هذا المنحى المأساوي الذي اتخذته عربة العملية السياسية وحمولتها المثقلة بالعقائد والمشاريع شديدة الانفجار. نحتاج الى تحولات حقيقية لا ترقيعات ومراهم (لم تقتل ذبابة) ومثل هذا لا يتحقق بزعامات وجماعات كرست كل قواها لعزل العراق عن كل ما يمكن ان ينتشله من المستنقعات والمهالك القديمة والجديدة التي تورط فيها. ومثل هذه التحولات لن تنضج مع وجود مثل هذه الثقوب المتخصصة بتبديد الغضب والاستياء على تضاريس الدروب الموصدة..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة