العراق يفتقر لثقافة المعارضة ومراعاة الاختلاف بين الناس

بالرغم من دورها الكبير في بناء النظام السياسي

ترجمة: سناء البديري*

«أن دور المعارضة مهم وكبير وجوهري في بناء الدولة ومؤسساتها ونظامها السياسي، ودائما يكون الصوت المعارض محط حماية واحترام المؤسسات الدستورية في الأنظمة الديمقراطية، نظرا لأهمية الاختلاف بين الناس، وما يعود به من منافع على الدولة وأفراد المجتمع. «
هذا ما اشارت اليه الدكتورة « ريجين هالي « في مقالة لها حيث اشارت الى ان « أهمية المعارضة السياسية في أي بلد ما, تعبر على أنها مظهر من مظاهر التعددية السياسية من جهة, ورقيب على ممارسة السلطة لصلاحياتها الدستورية والقانونية من جهة أخرى.»
كما نوهت باستغراب انه «بالرغم من تباين أشكال النظم السياسية والحزبية في العراق وتباين التجارب واختلاف المجتمعات, فإن أغلب الباحثين يتساءلون كيف يكون هذا التعدد والتباين ولا يوجد هناك احزاب معارضة او نظام معارضة سياسي او حتى اقتصادي , بل يتفقون حول ضرورة وجودها ضمن النسق السياسي المعاصر أيا كانت طبيعته , وحسب رؤية البعض فان المعارضة والحكومة قطبان أحدهما موجب والآخر سالب لازمان لدفع تيار التقدم والرخاء والاستقرار لكل عناصر الدولة»
كما اكدت هالي « لو كان العراق يمتلك ثقافة المعارضة التي تحترم في الحكومة الحالية لكان هناك نظام سياسي آخر غير هذا الذي اثبت فشلاً كبيراً على جميع الاصعدة السياسية والاقتصادية , كون المعارضة لها دور كبير من خلال المراقبة وطرح البدائل والضغط السلمي المشروع «
كما اشارت هالي في الوقت نفسه قد يكون للمعارضة دور معطِّل لفاعلية الحكومة ومعرقل لقدراتها، وبهذا يمكن أن يكون دور المعارضة داعما للحكومة، وفاعلا في بناء الدولة ومؤسساتها، ويمكن أن يكون على العكس من ذلك عندما يتحول من دور التصحيح الى دور التسقيط، علما أن الاختلاف بين الناس ليس أمرا مستغربا، او مستهجنا، بل يكمن الاختلاف في لبّ الطبيعة البشرية.»
هالي اوضحت في مقالها ان هناك شرط جوهري ينبغي أن يلتزم به المعارضون، أو أصحاب الرأي الآخر أو المختلف، وهو يتعلق بالهدف من هذا الإختلاف، أي (لماذا أنت معارض أو مختلف مع الحكومة أو مع الآخر مهما كانت صفته؟)، هل لديك هدف شخصي، أي أنك صرت معارضاً حتى تنال من شخص هذا السياسي أو ذاك، أم أنك تهدف الى التصحيح من أجل الصالح العام؟، هذا هو الشرط الاساس الذي ينبغي أن يلتزم به المعارضون.»
كما اكدت هالي على اهمية أن يكون اسلوب المعارضة واضحاً وسليماً وهادئاً وبعيداً عن التشنج، ويبتعد عن الاسلوب الانتهازي، ولا يصح مطلقا توظيف المعارضة من اجل التسقيط، او الاستهداف الشخصي، كون المعارضة نظام مهم داعم لدستورية الدولة ومؤسساتها، وليس بالضد منها، أو معرقلا لها، بل ينحصر دوره في التصحيح والوقوف مع الحق , وهذا ما يفتقده النظام السياسي في العراق ,وفي هذه الحالة سوف يكون للمعارضة دورها في التصدي للعبث بالثروات العامة، وحتى الثروات الخاصة.»
كما اشار عدد من الباحثين في السياق نفسه وعلى الصحيفة نفسها لكن في تواريخ مختلفة «إن وجود المعارضة هو التعبير الأبسط عن وجود السياسة ذاتها وهى صمام الأمان الوحيد ضد احتمال تحول النزاعات الداخلية إلى صراعات وحروب يرصد في هذا السياق الوضع القائم في العديد من الدول العربية ومنها العراق التي تستبعد المعارضة أو تنكل بها حيث تكاد جميع حركات الاحتجاج الاجتماعية تتحول إلى حركات انشقاق عرفية أو طائفية أو عقائدية , ومن ثم فان السائد هو مناخ المواجهات وتتحول المعارضة هنا إلى فريق احتجاج وتفقد دورها المتوسط بين السلطة الحاكمة والشعب.»
كما اشاروا الى « إن ثقافة التعددية السياسية والتنوع تبدو منعدمة في تراث المنطقة, باستثناء بعض التجارب, إلا أن سقوط الأنظمة الشمولية في المنطقة وصعود القوى الديمقراطية السياسية الجديدة, والمنظمات الحقوقية ,بالإضافة إلى الدور الفاعل الذي يلعبه الإعلام العربي و العالمي الحر, كالقنوات التلفزيونية والنت, والصحف والمجلات, روجت هذه العوامل كلها لثقافة قبول الآخر والتعددية والتنوع والتغيير, وحاربت بقوة هيمنة الثقافة الشمولية, ومرتكزاتها, فضلا عن تراجع وانهيار المنظومة الاشتراكية, شكل هذا نواة حقيقية نظرياً لثقافة التعددية السياسية وقبول المختلف والتداول في السلطة .»
كما اكدوا ان هناك الكثير من المعوقات التي تحول المعارضة الى ثقافة منها :
داخلية تتعلق بثقافة المنطقة نفسها, كالطائفية والمناطقية, والقبلية والعشائرية, وهذا نموذج قائم في معظم الدول التي تسعى للتغير والتحول الديمقراطي, كالعراق وليبيا وسوريا. وخارجية تتمثل بالأنظمة الشمولية الباقية من تلك المنظومة التي لا تزال تساند وتدعم الأنظمة الشمولية في المنطقة لاستمرار مصالحها الاقتصادية, فإنها تمثل العائق المباشر لبلورة ملامح هذه الثقافة بشكلها المطلوب, فإن تغيير الأنظمة التي تحكم المنطقة هو الانتصار الأكبر لهذه الثقافة, لأنها قامت بتصفية كل شيء اسمه المعارضة نهائياً, وما تبقى منها دوزنتها وفق خطوط حمر, لا حول لها ولا قوة.»
كما اختتموا بالقول» أن هذه النواة بحاجة إلى التجربة والممارسة, بالإضافة إلى برامج ومناهج ديمقراطية تدرس في المدارس والمعاهد والجامعات,لتخريج جيل يؤمن بهذه الثقافة. وهذا بحاجة إلى مرحلة انتقالية زمنية لتحبو نحو نظام ديمقراطي تعددي وتكون فيه المعارضة شرعية.»

* عن صحيفة اليو اس أي تودي الاميركية

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة