أستطيقيا المبتذل لخلق لغة تشكيلية جديدة

في الفن التشكيلي التونسي المعاصر

ابراهيم بن نبهان – تونس:
بتنوع التيارات الفنية تنوعت الأساليب و التقنيات لتتزاوج في رحاب الفضاء الفني في نسق من الحرية المطلقة. وواضح منذ البداية أن الممارسة التشكيلية التونسية تجاوزت بمفهومها نسق الممارسة العربية في سجال مع تلك الأبعاد الفنية والقيم الهادفة إلى أسس التقدم الفني ومجاراة اليومي بما فيه من تحولات ومفاهيم متجسد في بواطن الفنان الهادف إلى التجاوز. ليذهب في نطاق نبش واقعه وتطلعه إلى بناء عالمه الخاص المنفتح على الآخر.
هو جيل جديد على الساحة التونسية، كرس التقنية والأسلوب المتفرد في خضم لغة المعاصرة ليتحدى الواقع الفني الراهن. لتنبعث تلك الوجهة التواصلية بين الفنان وعمله الفني مع المتلقي. من هنا نستشف قراءتنا لبعض الممارسات الفنية التونسية التي جعلت من المفهوم ركيزة في الممارسة التشكيلية والتي جمعت بين أساليب الفن الحديثة و المعاصرة مثل فن التنصيبة (Installation) وكذلك فنون الأداء ( Performance) وكذلك فن التجهيز وغيرهم من الأساليب التي أصبحت تترجم وتقدم أفكار الفنان التونسي الذي أصبح يدرك العديد من الجوانب المهمة حول الممارسة الفنية مثل تطورات الفن التشكيلي و تحولاته الاستطيقية المعاصرة من حيث تكونت لديه مجموعة من التراكمات الثقافية، أصبح عبرها مدركا لمميزات كل ممارسة وفي ذات الوقت ملمّ بالعديد من الجوانب.
هذا التلاقح الفني جعل من عملية البناء عنصرا فعالا لقراءة العمل الفني من وجهة التلقي الفني، عبر الكشف عن الابعاد الانشائية في نطاق تحليل المواد المتروكة و الهامشيىة و المبتذلة ضمن الممارسة الفنية المعاصرة.
وبالتالي فإن الفنان يتعامل مع الشكل و اللون و الملمس ليبرز القراءة الفنية من خلال انظمة المجتمع الاستهلاكي ولتتحقق نظرة جديدة للمواد المتروكة والهامشية التي نسيت و تركت. لتأخذ الترحال إلى الفضاء التشكيلي والتجربة الإبداعية. حيث تناول الفنان التونسي الأبعاد الرمزية المتعددة المعاني والإشارات الخلفية المزدوجة التي ساهمت في تطور الفن على أساس مبدأ التكاثر بدلا من مبادئ الاختزال والتوحيد وعلى مبدأ التقابل بدلا من التماثل من حيث اصبح الفن في وقتنا الراهن حافل بالمتناقضات وليمزج الفنان بين أساليب سابقة ووسائط مختلفة أو التقاط الأشياء المبتذلة من واقعها وإعادة توظيفها في وقعها التشكيلي الجديد.
من هنا كانت تجربة الفنان التشكيلي (نعمان قمش) منطلقة من الواقع والى الواقع في صور جديدة تقترن بالفن المعاصر، فقد اقترن في عمله (الطيور الزرقاء) بماهية المفهوم المعاصر، فعبر العنوان نشهد ذلك التحول في المفهوم الاسلوبي للاثر الفني ليبرز في ثوب جديد «للوحة التنصيبة» بحضور الاجساد الصغيرة التي انطلقت من الفضاء الخارجي للعمل أخذة الترحال في عمق اللوحة، ليبرز ذلك التواصل البصري في نطاق القيم الجمالية للون الازرق و الابعاد الدلالية لماهية الفضاء فمفهوم الاختصار و المبسط قد حظر في هذا العمل على مستوي اللون لكن الفكرة المفهومية حضرت في سجال فني بين خصوصية الشكل و اللون و الملمس و طريقة العرض على حد السوى .
و بالتالي فإن إستخدام أسلوب الدمج والتوليف والتركيب بين المواد، وبين الأساليب النسجية المختلفة في العمل الفني الواحد الذي أتاح مداخل تجريبية متعددة لإنشاء مفاهيم نسجية مختلفة ينتج عنها رؤي فنية جديدة و معاصرة على مستوى التعامل مع خصوصية اللون و العرض و الفضاء في تجربة الفنان التونسي (نعمان قمش) ليصبح الفن عبقرية و لعب ورموز معاصرة لماهية التكوين و الانجاز في نفس الوقت .
اما الفنانة التشكيلية التونسية (حبيبة هرابي) ففقد ذهبت إلى القول، بضرورة التجاوز والتغير على مستوى التقنية لتبدع عمل فني تنقد من خلاله الثقافة الاستهلاكية في تونس والمنحصرة حول السلع الصينية، لان الأسواق التونسية أصبحت تعاني من تدهور كبير على مستوى السلع الصينية المقلدة والتي ساهمت في نمو كبير في ما يسمى بظاهرة التجارة الموازية، فالكثير من الأسواق فقدت ملامحها العتيقة بسبب المنتوجات المقلدة عبر هذه الظاهرة إلتجأت الفنانة التشكيلية حبيبة الهرابي في عملها kitch pollution إلى إبراز الأبعاد الدلالية و المفهومية لعديد الأغراض الاستعمالية و تمنحها قيم تشكيلية تتمرد عبرها على ما هو موجود و بالتالي تهدف الفنانة التشكيلية عبر فن التنصيبة إلى بث رسالة مفادها حث الجمهور الى الإقبال على المنتوج التونسي ناقدة بذلك ظاهرة التهريب والاستهلاك المفرط للسلع الصينية المضرة مستندين في ذلك على عفيف بهنسي بقوله «النقد الفني هو التذوق في أعلى مستوياته». اما من الجهة الاستطيقية فقد ارتكزت الفنانة على توزيع الألوان القزحية حيث أحدثت ضجة بصرية على الجمهور لتتناغم الألوان فيما بينها لتحدث تلك الأبعاد الجمالية و الدلالية لقيمة اللون.
تذهب الفنانة التونسية إلى ابعد من ذلك، لتجعل العمل الفني في إطار نقطة رابطة بين الوسيط التكنولوجي و حقيقة الصورة محاولة في ذلك التعبير عن الصورة الرقمية و بالتحديد الصورة الوهمية المتشكلة عبر الضوء، في هذه الوحدة تدخل الفنانة في عالم من الفلسفة الموغلة في التفكير في ماهية اللاملموس و محاولة إرجاع الصورة المنعكسة إلي أصلها و جذورها الحقيقية عبر مفهوم التقنية. فعند قراءة العمل يقف المشاهد حائرا بين الصورة الأصلية و بين الوهم الذي يتجسد في البعد الثالث لانتشار صورة الضوء والظل في وحدة متكاملة. ليتشكل نوع من السحر الشكلي لماهية الصورة وتموجاتها على السطح المائي لنبين بان الانعكاس الضوئي في أصله اهتمام بالمضمون ألمفهومي لا بالشكل.
أما الفنانة التشكيلية (مفيدة الغضبان) ذهبت في اتجاه موازي لهذه التجارب باستعمالها الأشياء المبتذلة في خلق لغة تشكيلية جديدة وفي ذات الحين تقترن بالجانب ألمفهومي في نطاق أبعاد جمالية حاملة في مضامينها مفهوم اليومي و ما فيه من تهميش لماهية «القلم»، فارتكزت الفنانة في تجربتها على رمزية القلم التي نسيت في خضم عالم التكنولوجيا، ففي عصرنا الراهن تحول استعمال القلم إلى افتراضي عبر الشاشة الضوئية «الكمبيوتر». لذلك ذهبت (الغضبان) إلى توظيف القلم بتعدد ألوانه في مقاربة فنية معاصرة جسدت عبره أبعادها النقدية، لتجتمع الفكرة مع المفهوم لتكوّن أبعاد استطيقية عبر لغتها البصرية وان صح القول لعبتها البصرية التي تحدثها على فضاء ثنائي الأبعاد ليصبح حاملا لأبعاد ثلاثية ناسجة في ذلك محتوى تقني و أسلوبي و مفهومي و أبعاد تعبيرية تتجسد في هذا العمل حيث يمكن القول ان هذه التجربة في بعدها نقد للفن و نقد للثقافة المعاصرة عبر استعمالها لغرض بسيط .

* باحث تشكيلي تونسي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة