تصوير الوجدان في الفن الإسلامي

د. بركات محمد مراد :
الجانب الوجدانى من الإنسان هو بطبيعته أدخل الجوانب فى موضوع الفنون، فعنصر «التأثير» هو العنصر البارز فى الفن. وأقرب وسائل التأثير هو تصوير الوجدانات البشرية فى صورة جميلة موحية تؤثر فى الوجدان، ومع أن الفنون وخاصة فى موجتها الواقعية الحاضرة تتخذ من كل شيء موضوعا للتعبير الفني، إلا أن وجدانات البشر ما تزال رغم ذلك هى الموضوع الغالب على الفن فى كل لغة وفى كل جيل.
وإذا كان التراث الإسلامى قد اندفع إلى الوجود عن طريق العقل والوجدان، فقد سبقتهما فى ذلك «اليد» التى أبدع الله تكوينها وصاغ شكلها، وأودع أطراف أصابعها سر الوجود وحقيقة الحياة ومستقبل الإنسان. وهذه اليد كالقلب والعقل ذكرها الله فى محكم كتابه فى مائة وإحدى وعشرين آية، جاءت متفرقة فى العديد من السور القرآنية.
وقد وصل إلينا الفن الإسلامى متمثلا فى مختلف آثاره من أدب وشعر وعمارة وتصوير وزخرفة وخط ومنمنمات، دون فلسفته، أو أخبار فنانيه، ودون شروح لتقنياته وأساليبه. لهذا لا نبالغ إذا تحدثنا عن المحاولات الجمالية والنقدية المتأخرة والحديثة لفهم «الجماليات الإسلامية»، ولتأسيس فلسفة تفسر مختلف الفنون الإسلامية، بوصفها المحاولات الوحيدة لاستيعاب هذه الفنون واستخراج قوانينها الجمالية.إلا أن هذه المحاولات : غربية أم عربية، اختطت لنفسها طرقاً لفهم هذه الفنون، فأصابت فى مواضع وأخفقت فى مواضع أخرى، عاكسة سؤالات الحاضر الفنى وإجاباته الحديثة على هذا الفن القديم.
ولا يزال البحث فى دراسة المنمنمات قائما حتى العصر الحاضر، إذ جعلها هذا السبق فى الطليعة بالقياس إلى الفروع الأخرى من الفنون الإسلامية. ثم جاء الاهتمام بالكتابات الإسلامية خاصة عام 1828 م حين أخرج «رينو» كتابه المسمى «وصف الآثار الإسلامية فى مجموعة دوق بلاكاش». وفى عام 1838 أخرج المستشرق يوسف فون هامر برجشتال بحثا فى كتابة كوفية من مسجد الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله بالقاهرة.
وفى عام 184.م ألف ميخائيل انجلو لانشى كتابا فى شواهد القبور الإسلامية، وأعقب ذلك عام 184.م بكتاب عنوانه «بحث فى الصور الرمزية العربية، وفى تنوع الحروف الإسلامية فى نقشها على المواد المختلفة».
وعلى الرغم من كثرة الدراسات التى قدمها المستشرقون فى الفن الإسلامى فى القرون الأخيرة، إلا أنها وكما أدركت ذلك باحثة فى علم الجمال لم تحتو على فلسفة شاملة وشافية له، فقد وجد جيرابر» أن فن التصوير الهندسى التجريدى (الأرابيسك) هو الفن الوحيد الذى يعبر عن فلسفة الإسلام الجمالية». واهتم إيتنهجاوزن فى كتابه (التصويرعند العرب) بالجغرافية دون العقيدة،ووحّد بين فن التصوير والحضارى العربية. وباعد بابا دبلو فى كتابه الضخم (الإسلام والفن الإسلامي) بين مفهوم الإسلام والفنون وإن استثنى فن المنمنمات إذ أنه رأى أنها الفن الوحيد الذى يرتبط بالمعنى الإسلامي. أما دافد جيمس فقد رأى أن فن التصوير الإسلامى فن زخرفى أساساً، ويعطى الأولوية للجوانب العملية والنفعية لما يصنعه ونادرا ما يعبر عن مبدأ أو نظرية أو فكرة إستيطيقية.
وعلى كل حال فان ممارسة الفنانين المحدثين، الغربيين ثم العرب والمسلمين، قادتهم منذ مطلع هذا القرن إلى التعرف على فنون أخرى قديمة ومغايرة، غير الفنون الأوروبية، مما سلط الأضواء على الفن العربى الإسلامى «مثل الفن الأفريقى أو المكسيكي».
ومن ابرز الآثار المعمارية فى متاحف الغرب واجهة قصر المشتى الأموى التى نقلت إلى متحف الدولة فى برلين الشرقية، والقاعة الحلبية التى نقلت إلى المتحف ذاته، والقاعة الشامية التى نقلت إلى متحف الميتروبوليتان فى نيويورك، ولا ننسى تلك القطعة الفنية التى سقطت من ذقن أبو الهول والموجودة بالمتحف الفرنسى «اللوفر» وكذلك حجر رشيد الذى بواسطة قراءته تمكن شامبليون الذى كان مرافقا لنابليون فى حملته على مصر من معرفة أسرار اللغة الهيروغليفية.
وفى الماضى القريب كان على الفنان العربي، خاصة فيما يتصل بالفنون التشكيلية، أن يختار، وفى سباق ممارسة اختيارهم عاش أغلب التشكيليين العرب، إن لم نقل كلهم، قلقا وجوديا تجلى فى أساليب استلهامهم لذاكرتهم الثقافية والرمزية، وفى طرق استيحائهم للوقائع المختلفة التى عاشوها وتفاعلوا معها. صحيح أن بعض علامات الخزان الرمزى والجمالى للشرق قد تم إعادة تنشيطها من طرف بعض الفنانين الكبار أمثال «بول كلي» و»دولاكروا..الخ وتكونت لدى الغرب نظرة غرائبية للشرق من خلال هؤلاء الرسامين، حيث تبلورت رؤية إستشراقية للفضاء الثقافى العربى إلى جانب الأدبيات الإستشراقيةالأخرى.
وإذا كان الفنانون العرب قد اصطدموا بهذه النظرة «الإثنوغرافية» للشرق فى سياق ممارستهم التشكيلية وشعروا بضرورة الانفصال عن كل ما لا يمت إلى ذاكرتهم الثقافية وواقعهم الحياتى بصلة، فإنهم قد انخرطوا فى تجارب لابد للفكر العربى الفلسفى والجمالى من استنطاق مكامن قلقها، وازدواجيتها. فبريق» الغرب الذى لمع فى عيون الشرقيين، واستيقاظ الشرق من غفوته فى عيون الغربيين، وإقامة جسور الوصل، وتبادل العناق مرة، والجفاء مرة ثانية، الشهادة المتعادلة والشهادات المتناقض أحيانا أخرى، الاستئناس والنفور، الحذر والتعاطف. جميعها انعكست فى الاتجاهات الفنية المعاصرة، كما انعكست كذلك فى الاتجاهات السياسية والاجتماعية التى يمكن لنا أن نصفها على الأقل فى عالم الحركة الفنية بأنها اتجاهات تدور فى مدار الحيرة».
وبعيداً عن الاتجاهات الأدبية التى وضحت بفضل كثير من الدراسات الأصيلة المعمقة فيها الذات العربية والإسلامية وبلورة مفاهيم ونظريات يمكن أن تجسد شخصية متميزة، فإننا نجد أن الفنان التشكيلى العربى بسبب خصوصية ممارسته الثقافة، جسد «هذا التوتر بأشكال ورموز وصور مختلفة وهذا التوتر يبرز فى كثير من الأشكال التى سلكها المبدعون العرب سواء فيما يخص الإطار أو الأدوات أو المواد أو فيما يتعلق بالخط العربى المدمج فى إطار اللوحة أو المرجعيات التراثية، أو ما يمس استلهام الصناعات التقليدية والحرف الشعبية التى تختزن عمقا إبداعيا كبيرا». إن مسألة هذا التوتر والازدواجية تمثلت، بصورة أساسية، فى قضية الشكل، ولقد واكب الهم الفنى العام، كما يلاحظ أحد الباحثين «همّ منفرد هو استقلال «الموروث» الأوروبى بشكل يناسب الموروث الحضارى المحلى، وما فى البيئة من أشكال وخواص، بمعنى إعطاء خلاصة بحث فكرى وفني. والصعوبة الإنشائية هنا : فى الشكل قبل أن تكون فى الموضوع».
قد يلاحظ المرء أن هذه القضية ليست خاصية إشكالية تميز حقل الفنون التشكيلية العربية، لأنه يمكن رصدها فى مختلف المجالات ا لتعبيرية الحديثة، من مسرح وموسيقى ورقص وسينما وأدب…الخ وهذه ملاحظة واردة ومشروعة، غير أن مسألة الشكل فى الممارسة التشكيلية لها قيمة قصوى؛ إذ بالأسلوب والشكل يبرز التماسك الداخلى للعمل الفني، وبه تتمكن ذاتية المبدع من التعبير عن تفاصيل هويتها.
والمتابع للاتجاهات الأدبية العربية والإسلامية من الشعر والقصة والمسرح، وما أنتجته الحركة التشكيلية العربية، منذ بدايتها فى العصر الحديث إلى الآن، يسترعى من الباحثين والنقاد والمفكرين التحاور معه ودراسته للوقوف على مكوناته وخصائصه الجمالية،والكشف عن مقوماته وإحالاته المرجعية الرمزية.
لقد أنتج كل قطر عربى مبدعين جعلوا من التشكيل مجالا للتفكير ومن اللوحة أو من غيرها فضاء فنياً لرؤية العالم والواقع. وجرب هؤلاء الفنانون كل الاتجاهات الفنية العالمية، وما زالوا، وأدمجوا أكثر من عنصر تراثى فى أعمالهم، فيهم من سقط فى توفيقية تعيسة، وفيهم من نحت لنفسه أسلوبا تشكيليا بالغ التماسك والقوة، وتجاوز به حدود الوطن العربي، ومنهم من اكتفى باجترار تجارب الآخرين، ومنهم من نهل من المخزون التشكيلى الذى أبدعته المخيلة الشعبية…الخ، أمام تعدد التجارب واختلاف الأساليب وتنوع الأشكال، داخل كل قطر عربى وإسلامى على حدة، وبحكم الازدهار الكمى للأعمال الأدبية التشكيلية فى مختلف أجناسها، ومن طرف مختلف أجيالها، فإن هذه الحركة طرحت وما زالت تطرح على النقد الأدبى والفنى أسئلة لم يتمكن بعد من صياغتها.

* أستاذ الفلسفة الإسلامية ـ جامعة عين شمس ـ مصر

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة