رمّانة يدويّة

من البعث والعسكرة تبدأ حكاية سقوط التعليم في العراق. طاقة الانفاق الحكومي انكمشت في كل المفاصل الحيوية في البلاد بعد أن اتجهت وتكرست لتأمين البارود والبنزين وأعواد الثقاب لتسلية حروب القائد الضرورة. ثم زحفت الأرضة القاتلة إلى نسيج المناهج الدراسية من رياض الأطفال إلى رياض الكبار.
والمناهج، مفردة يفضل ونحن نحتك بها بين أمس الاستبداد وفوضى الحاضر الديمقراطي أن تستبدل بمركب الفخاخ الخطرة؛ فإلى هذه اللحظة تستمر حكاية التشويش وتصعب عملية فرز السم عن العسل، فهذه المناهج/ الفخاخ محكومة بقيود، وحافلة بقدرتها على تبليد النشء. فلم يحدث كبير تغيير في المناهج ودفق المعلومات التي تقدم للطلبة ماعدا تغيير واحد وهو انتقالها من تحت رحمة السياسات الفاشية إلى تحت رحمة السياسات الطائفية. وإذا ما كان هناك حيازة حديدية لقبضة (وقف بعثي) في يوم ما ينحدر الوضع حاليا إلى قبضتي (وقف سني ووقف شيعي). كما ينحدر إلى صيغة مماهاة خطرة عندما تندمج كل تلك التشنجات بين دفتي كتاب واحد متفجّر، ونكوصي، وحافل بعُصابية آخذة بالتورّم والزراية فتحت الباب واسعا لإطلاق خيالات فصل الذكور عن الإناث ودفعت بالمدرّس إلى أن يتبرقع والمدرسة إلى أن تطلق لحيتها في صدر التلاميذ، على اختلاف مستوياتهم ومراحلهم.
وعلى الساحة العراقية اليوم قام تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام – داعش بالإدلاء بدلوه وراح يفرض منهج فهم خاص به للمناهج وتحديدا للمناهج الدينية وبالتأكيد سيكون نابعا من تعلم تيار السلفية الجهادية، أو أبعد من ذلك من خلال تقديم خلطة عنفية مليئة بشحنات الغلو المتفجرة القادمة من ذهنيتي (التحريم)، والغزو. في ظل هذه الأزمة السايكولوجية التي يمر بها التعليم في العراق كصورة منحطة ومنزوعة القيم كيف سيستقر أمر الجدل الدراسي وهو يفتح أبوابه للطلبة بجميع مراحلهم وهو ينظر إلى أحشائه التي طلعت إلى الخارج على شكل زحار أسود؟
لم يهبط التعليم في العراق لكنه من خلال ربع قرن من الاستبداد والدكتاتورية والحروب والمجاعة والحملة الإيمانية عانى التعليم ما عاناه من شراسة النظام البربري الذي مارس عليه فعل (التّهبيط) وبقي الجلاوزة وراء التعليم إلى أن اطمأنّوا على صحته وهم يشاهدونه يودع صفحات التميز المتقدة ويسبح أخيرا في الحضيض.
فهل في ذلك قساوة عندما نتذكر مراحل التخريب المنظم التي طالت التعليم كواحد من أهم المفاصل الحيوية في البلاد عبر وضعه تحت حوافر هجوم الوباء الثنائي من عهود التبعيث، إلى عصر الدمقرطة؟
ميثم الحربي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة