الأخبار العاجلة

ما الفساد؟

لم يتخلف عن ماراثون العداء للفساد أحد، الكل انبرى لمواجهة هذا الاخطبوط متعدد الجبهات (الفساد)، منهم من تخصص بالتصدي لما أطلق عليه الفساد الاخلاقي وتضاريسه المتمحورة حول العملية الجنسية المطوبة لصالح الذكور من دون الناس. وهناك من سخر مواهبه الصوتية والاستعراضية لمحاربة فلوله في الاقتصاد والمال، وتقاسم البعض الآخر بقية الجبهات. وسط كل هذا الصخب والضجيج بقي الفساد الأشد فتكاً بملاذاته الآمنة راضياً ممطمئنا، حيث قلاعه الضارية استوطنت جماجم عيال الله، ليسخرهم في نهاية المطاف لخدمة غاياته النهائية.
فساد العقول هو اس الفساد لانه يعطل أهم خصيصة لدى البشر، ليتركها في خضم تلاطم أمواج هذه الحياة وتحدياتها اللانهائية من دون بوصلة. فما الجدوى الفعلية لنشاطات وجهود عقول مثقلة بالأفكار والعقائد التي انتهت صلاحيتها منذ المغفور له كوبرنيكوس، في ميادين تتعلق بالكفآءة والنزاهة وغير ذلك من متطلبات ضرورية لتحسين مستوى الحياة ؟
ان تجربة المجتمعات التي وصلت لسن التكليف الحضاري، تحدثنا وبشكل لا يقبل الشك والتأويل؛ عن عقول وأفكار انتصرت لحركة الحياة وصيرورتها المتجددة لا النكوص الى حيث العقائد والآيديولوجيات التي انتهت صلاحيتها منذ زمن بعيد، كما حصل في مضاربنا بعد صدمة زوال امبراطورية الرجل المريض، واهدت البشرية فردوسها المفقود (الخلافة) على ولايات العراق والشام وادغال نيجيريا وكهوف وزيرستان وغيرها من الجغرافيات المتجحفلة معهم بهلوسة وهذيان. لقد اشرنا مرارا الى ان مواجهة قوى الجريمة والتخلف والارهاب ورأس رمحه الحالي (داعش) لن يكون الا بالمصل المضاد لهذه الاوبئة، التي تستمد فعاليتها من هذا التعطيل الهائل لعقول وأحلام البشر الواقعية لا الخرافية. لذلك ومع هذا النوع من القوى المتناهشة على الوليمة الأزلية لا يمكن انتظار اية مشاريع جادة في الحرب ضد اخطبوط الفساد وجبهاته المتعددة. وما القرارات والمشاريع التي يسارع (الاخوة الاعداء) في البرلمان العراقي الى تمريرها باجماع نحسد عليه، بين آونة وآونة اخرى الا دليل على نوع الاوليات الفتاكة لهذه المخلوقات التي قذفتها الأقدار لأعلى سلطة تشريعية وسياسية في البلد.
ان التعويل على قوى ومشاريع وعقول مسكونة بحلم استرداد مومياءات الماضي وما سطرته المجلدات والقراطيس التي حظيت بموافقة ورضا ما يعرف بـ (اصحاب الشوكة) لن يفضي لغير المزيد من الهزائم النكراء على صعيد مواجهة الفساد، برغم انف الفزعات المتواصلة وادعاءات التصدي له في الحقول المالية والادارية والاخلاقية، وغير ذلك من الحلقات المفرغة. العقل والفكر وما ينضح عنهما من رؤى ومشاريع للحاضر والمستقبل، هي من ستحدد لنا نوع الآفاق المقبلة والاستعدادات الفعلية والواقعية لمواجهة الكارثة المحدقة وغيلانها الرابضة بين تلافيف مدونات دمارنا الشامل، والذي لن تكون داعش وطالبان وولاية الفقيه آخر مبتكراتها.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة