الإصلاحات.. للتقدم لا للتعطيل

تناولت حركة الاصلاحات لحد الآن سلسلة من القضايا منها فتح ملفات تتعلق بالنزاهة.. وإلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء.. وإعادة هيكلة الحمايات الخاصة.. واعفاء عدد من الوكلاء وكبار الموظفين.. وتخفيض رواتب وتقاعد الدرجات العليا، وغيرها.. وجميع هذه الاجراءات هي في الحقيقة رسائل للتعبير عن النية ورغبة بالإصلاح، ويجب ان تكون خطوة نحو سياسات تطلق آفاق جديدة للبلاد.
ان معظمهم، ان لم يكن جميع، هذه الاجراءات يحجز ويأخذ ويقتطع ويعاقب ويتوعد.. وهذا امر قد يكون ضرورياً شريطة ملاحظة أمور منها، ان لا يكون لاغراض اعلامية واستهدافات شخصية.. كذلك أن لا يكون على حساب مصالح جدية وحقيقية قائمة تعطلها هذه الاجراءات.
البلاد تحتاج للبدء فوراً باجراءات تساعد فعلاً على احداث نقلة نوعية في السلوكيات والأولويات يتلمس المواطن نتائجها على حياته اليومية، والا فان البقاء على الاجراءات اعلاه سيعني إضافة قوى ناقمة أخرى، من دون تعبئة قوى مناصرة جديدة. صحيح ان الاوضاع المالية الصعبة لا تسمح بحل مشكلات البطالة والخدمات فوراً. لكن الصحيح ايضاً اننا نمتلك طاقات غير مستثمرة واصول مجمدة كثيرة. وان الاصلاحات، في مثل هذه الأوضاع، يمكن ان تحرك اموراً مهمة لتتحول من رأسمال مجمد الى رأسمال متحرك، يعوض كثيراً عن نقص اموال النفط.
فالاصلاحات التشريعية والادارية والاسراع بتطبيق قانون العمل الذي يمنح العاملين في القطاع الخاص حقوق التقاعد والضمان هو أولوية الأولويات وهو امر سيزيح عن الدولة وترهلها عبئاً كبيراً.. وسيسمح باعادة هيكلة العمالة بما يساعد على تحريك الاقتصاد. وان توفير بيئة آمنة للاعمال وقرارات ثابتة لا تتغير في كل يوم، وتسهيل عمل الشركات والمصارف والجامعات والمستشفيات الاهلية والعديد من المصالح الأهلية -وليس التعقيد عليها كما يحصل حالياً- يقود لاصلاح جدي ولان تجد شرائح واسعة ابواباً للعيش او للحصول على الخدمات وفرص الحياة لا تستطع الدولة توفيرها ولن تستطيع من توفيرها مستقبلاً. وان تحرير القطاع العام من العقد والمخاوف، واطلاق الصلاحيات وتشجيع المبادرات وايقاف كل السياسات والاجراءات التي تعاقب على الاجتهادات او الاخطاء الطبيعية غير العمدية والتمييز بين ذلك كله والفساد من شأنه تحويل الكثير من المؤسسات من مؤسسات غير راشدة وخاسرة الى مؤسسات راشدة ورابحة. وان تمليك حقوقاً عينية عقارية وزراعية وصناعية تمتلكها الدولة الى المواطنين مجاناً او بتسهيلات كبيرة لتحفيزهم على العمل وتحريك الاقتصاد هو امر ممكن لا يكلف الدولة، بل على العكس يجلب اموالاً عبر الرسوم والضرائب وازالة اعباء كبيرة عنها. وان منح اصحاب الدخل المحدود وبعض الشرائح الاجتماعية حقوقاً معنوية واعتبارية، او اعفاءات من بعض الديون والغرامات هي امور يقدرها المواطن وتحقق التعبئة لتحقيق الصالح العام وترفع عن المواطن بعض الأعباء وتوفر له بعض التعويض. ففي بلدان كثيرة تمنح العائلات او من ذوي الاعمار الشابة او الكبيرة بطاقات تسمح لهم بتخفيضات او اعفاءات بدخول الاماكن او استعمال الوسائط او الحصول على الاستثناءات بما لا يكلف الخزينة شيئاً، لكنه يعطي للمواطن قناعة بالتعويض والتكافل وهذه امور مهمة لتحقيق الرضا العام.
فنحن امام فلسفتين.. الأولى تبحث عن الاصلاح والانطلاق عبر تحريك المجتمع والدولة باستثمار الطاقات والقدرات ومنح الحقوق واثارة الحوافز والدوافع.. والثانية بالبقاء في حدود الرقابة والعقوبة والحصر والمنع. ولاشك ان الثانية ستكون قاتلة ان جاءت وحدها، وستكون فعالة ان لم تقف عثرة أمام الاولى، التي هي ما يعول عليه لانطلاق البلاد وتقدمها وعبور هذه المرحلة الحساسة.
د. عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة