الشعر العربي الراهن لا يجهل شيئاً بقدر ما يجهل مفهوم التخيّل النبيل

كأنه جثة ميتة

فلسطين – يوسف سامي:

ابتداءً، لا يجوز البتة أن يناقش المرء أزمة الشعر العربي الحديث بمعزل عن أزمة الثقافة العربية بوجه عام، بل حتى بمعزل عن أزمة الوجود العربي كله. فنحن العرب نعيش اليوم على هامش التاريخ العالمي، نعيش عالة على الحضارة البشرية، ويبدو أن لا مسوِّغ لوجودنا إلا لنلعب الدور السلبي في لعبة الكون التي لابد لها من وجهين، أحدهما فاعل وثانيهما منفعل.
وبإيجاز، نحن في زمن عربي كل ما فيه زائف ومزوَّر، لا وظيفة لنا سوى التصفيق وإقامة أعراس لأناس مصابين بالعنانة والعجز الكامل عن الإنجاب. أعراس لخصي؟ أليست هذه مفارقة ما بعدها مفارقة؟
وأياً ما كان الأمر في جوهره، فإنني أعتقد جازماً بأن الشعر العربي يكابد اليوم أزمة خانقة لا أحسب أن له سبيلاً إلى الشفاء منها، اللهم إلا أن يُستقلَب العالم العربي، فتتم فيه تبدلات جذرية عميقة تقذف بالإنسان العربي من هامش التاريخ إلى قلب مجراه الحي. ويبدو أن الزمن قد أكل العالم العربي وانتهى الأمر. فالشيخوخة داء لا برء منه، ولو عَنَتَ أمهر الأطباء وأبرعهم بإطلاق.
عند منتصف القرن العشرين، ومع استفحال المدِّ القومي، نهض الشعر العربي فتياً يانعاً مبشراً بمستقبل زاهر، وذلك مع “جيل الرواد”، ولا سيما مع السياب وأدونيس وخليل حاوي وسواهم من الأفذاذ الذين صنعوا شرفاً جديداً للُّغة العربية من شأنه أن يذكِّر بالشرف الذي أنجزه شعراء المعلقات قبل أربعة عشر قرناً.
بيد أن الأمر قد استُقلِب من جذوره بعد بضعة عشر عاماً وحسب. ففي أواسط العقد السابع توفي السياب، وصمت الحاوي، وتخلى أدونيس عن نعناعيَّته واخضلال لغته البهيَّة وهيف صوره الموحية الشديدة الجدة، ودخل في شكلانية عجفاء لا تخلو من الفجاجة والركاكة في كثير من الأحيان.
وخير شاهد على ذلك قصيدة عنوانها “قبر من أجل نيويورك”، كتبها في أوائل العقد الثامن. ولدى مقارنة هذه القصيدة بديوان كتبه لوركا عنوانه شاعر في نيويورك سوف يتبدى الفرق جلياً بين الأصلي والزائف، بين الشعري والشكلاني.
وإثر إفلاس السياسة العربية وتفسخ القصيدة العربية في أواسط العقد السابع (وما من علاقة سببية بين ذلك الإفلاس وذلك التفسخ)، نهض الشعر الفلسطيني المقاوم ممتلئاً باليُنْع والغضارة ومبشراً بتغطية النقص الآخذ بالاستفحال في العالم العربي. واستطاعت بعض الأصوات القادمة من داخل الأرض المحتلة، ولاسيما محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد، أن تملأ الفراغ الشعري الذي أخذ يستتب في العالم العربي منذ أواسط العقد السابع نفسه، لتنتهي مع رحيل هؤلاء الشعراء.
وهناك اسباب اخرى لتراجع الشعر منها غياب الديموقراطية وحرية التعبير عن الرأي وقلة الدعم الخاص الذي ينبغي أن تقدِّمه الدولة للمجيدين من الشعراء وسواهم من المثقفين اضافة الى قلة المكتبات العامة التي توفر الكتاب للقارئ دون كلفة أو عناء.
والاهم من كل ذلك، الوضع المادي للشاعر، ففي حمأة اللهاث وراء المال، في ظل التضخم النقدي، لا يبقى أمام الشاعر إلا أن يكتب بسرعة، نظراً لأن كثرة القصائد تعني دخلاً مادياً يؤمِّن للمرء الكفاف، أو يسهم في ذلك. ثم أنَّى للمواطن العادي أن يهتم بالشعر، حتى الشديد الجودة منه، مادام مضطراً إلى الركض طوال يومه من أجل الحصول على لقمة عيشه.
إن جملة هذه الشروط المعيشية قد حصرت الشعر في فئة قليلة من الناس تحاول أن ترفض التلوث بالفسق النفطي الذي أحال الإنسان العربي إلى مجرد عبد لحاجاته اليومية. أما الطبقة التي تخوِّض في أفياء الترف، فلا حاجة بها إلى شعر، ولا إلى أي إيقاع ثقافي آخر. وحسبها أفلام الجنس وما شابه ذلك من مجون.
إننا حقاً نعيش في مجتمع قد أدمن على تحجُّره أو تخثُّره. وعندي أن المحكَّ الأول لكل انحطاط حضاري هو طغيان النثر على الشعر، بل هو حصراً ذبول روح الشعر في أي مجتمع يتفاقم فيه الانحطاط. ولست لأزعم بأن ذبول الشعر هو سبب الانحطاط، بل هو نتيجته، من جهة، ودليل عليه، من جهة أخرى.
وإني لأستغرب أن يقال ما فحواه أن أزمة الشعر العربي “لا تواجهها أجناس أدبية أخرى، كالقصة والرواية والمسرحية”. فأنا لا أعرف أيَّ قاص عربي جدير بهذا اللقب في العقد الراهن. والحقيقة أن كبار القاصين العرب قد ماتوا أو صمتوا منذ عشر سنوات على الأقل: غسان كنفاني، سميرة عزام، يوسف إدريس، زكريا تامر.
أما المسرح العربي فإني أرتاب في أنه قد وُلِد على الإطلاق حتى الآن. وأما الرواية العربية فهي تجاهد لكي تثبت حضورها في هذه الآونة الأخيرة. وأما حركة النقد الأدبي – وحالها أفضل من حال القصة والمسرح والرواية – فتفتقر تمام الافتقار إلى فذاذة رجل كالجرجاني أو إليوت.
ولابد من التنويه بأن وضع الثقافة في العالم كله آخذ بالانحسار. فنحن في زمن يُعطِب جذور الأشياء، ويرمِّد كل ما أنجزه الإنسان طوال القرون السبعين الأخيرة: الدين، الفلسفة، النحت، الرسم، الموسيقى، الخ.
ولو تسامح الناس مع الفكر الحر لقلت بأن انحسار الدين هو الذي أفضى إلى تخثر الثقافة العالمية برمتها، ولاسيما الفلسفة والنحت والموسيقى والشعر. إذ إن من شأن هذه الإيقاعات الثقافية ألا تزدهر إلا في ظلال الدين؛ بل الحق أنها لم تزدهر طوال التاريخ إلا بفعل الرعش الديني الراخم في النواة الصميمية للروح البشرية.
يقيناً، ما من شيء أنتج الإنسان واستخلصه من الوحش إلا الدين. وكلما تطور الدين في التاريخ تطور الإنسان نحو الأسمى والأنبل. وباندثار الدين سوف يندثر الإنسان، وسوف يتقهقر عائداً باتجاه الحيوان الذي كانه ذات يوم.
وأبرز ما في أمر إنسان الدين أنه يعشق أكثر مما يشبق. أما إنسان عصرنا – عصر العلم والتكنولوجيا وفن الطبخ – فكائن يشبق ولا يعشق. وهل تتوقع شعراً، أو أيَّما شيء نبيل رفيع، من إنسان لا يعشق؟ وهل من رعش سوى العشق والوَلَه قد بنى تاج محل وقصر الحمراء والجامع الأموي؟
فإما الروحانية، وإما التحجُّر بين الجمادات، وما من خيار ثالث!
لعل من الإجحاف أن يقال بأن إقلاع الناس عن الشعر المعاصر، هذه الأيام، يمكن ردُّه إلى “هيمنة ثقافة لا تستسيغ أشكالاً فنية غير مألوفة”. والأقرب إلى السداد أن يقال بأن الأشكال الجديدة قد رفضها الناس نظراً لعجزها عن التعبير الموفَّق عن إيقاعات الحياة. فمما يدحض الرأي القائل بأن الناس قد أقلعوا عن الشعر الراهن لأنهم لا يسوِّغون أشكالاً فنية غير مألوفة أن الناس قد استجابوا على نحو موفَّق للأشكال الجديدة التي لم يكونوا يألفونها من قبل، وذلك في غضون العقد السادس من هذا القرن العشرين؛ وإلا فكيف يملك المرء أن يفسِّر ازدهار السياب والحاوي وأدونيس الشاب؟
ومادام الأمر على ما هو عليه، فلا يبقى سوى عنصرين اثنين: أما أولهما فإن العصر الراهن ليس عصراً شعرياً، ولاسيما بعد ازدهار الإيديولوجيا وطرائق التفكير النظري شبه العلمي، وجنوح الناس إلى استيعاب واقعهم كما هو، أي بمعزل عن التخيُّل والتخييل، فضلاً عن رغبتهم في تحويله نحو الأفضل. والحقيقة أن الخيال البشري آخذ بالتقهقر أو بالضمور أمام هذه الواقعية الصارمة الشديدة الجنوح صوب الموضوعية والمادية المتطرفة.
وأما ثانيهما فيتلخص في أن “العيب يكمن في عطاء الشعراء أنفسهم”. فمهما يُمعِن الخيال البشري في الضمور، أو حتى في التصفُّر (أي الاتجاه صوب الصفر)، فإن العقل (الروح) في الإنسان سوف يظل يستسيغ الأخيلة النبيلة الموحية، ولو نسبياً. والحقيقة أن الشعر العربي الراهن لا يجهل شيئاً بقدر ما يجهل مفهوم التخيُّل النبيل الشديد القدرة على إيقاظ الغافيات في الراقة التحتانية للنفس البشرية.
لماذا استطاع المجتمع العربي أن يستسيغ الأشكال الشعرية التي أنتجها جيل الرواد في العقد السادس من القرن العشرين؟
لأن تلك الأشكال الجديدة قد جاءت أقرب إلى طبيعة الواقع المعيش منها إلى ذبذبة التهويم وطرائق الاستشعار المغمى عليها – وهي الطرائق التي سادت الشعر العربي في العقد التاسع، أقصد في هذه الآونة التي امتدت طوال السنوات العشر الأخيرة. والأهم من ذلك أن الأشكال الجديدة التي ابتكرها جيل الرواد (ولاسيما شكل الانبعاث التموزي) هي من النمط التصعيدي النهوضي الذي يملأ الروح بالفتاء واليُنْع ويشحنه بجرعة كثيفة من الأمل والحيوية. إنها أشكال نبيلة حقاً من شأنها أن تحرِّض المرء على أن يعيش، بل على أن يثق بالعالم والمستقبل. أما اليوم فالروح الذي يسود الشعر الراهن هو روح انهباطي يجنح إلى الحشرجة والتوجع الكئيب.
وما هذا بالمصادفة أبداً. فلقد صدق الناقد الفرنسي غولدمان حينما قال بأن “بنية النص الأدبي هي بنية المجتمع نفسها”. وهو قول لا جدة فيه إلا من حيث الصياغة، إذ قال النقد العربي التراثي: “الأدب ابن بيئته.”
المجتمع العربي يحشرج، والشعر العربي يحشرج أيضاً. ولهذا أقلع الناس عما فيه من كآبة رومانسية هابطة تفتقر إلى روح النبل. إن مفهوم النبل (والعليان وجرعة البسالة والظفر) ينبغي أن يصير معياراً كبيراً من معايير النقد الأدبي الجديد. وإلا فإن النقد سوف يظل محبوساً في أُطُر ضيقة لا تفي بأغراض حكم القيمة الذي هو آخر هدف لأي ناقد أدبي جدير بهذا اللقب.
لقد استطاع الشعر العربي في العقد السادس أن يقف في منتصف الطريق بين النثر الواقعي وبين التخييل الشعري غير الجامح إلى التهويم. ولا مراء في أن السياب والحاوي وعبد الصبور قد رسَّخوا ما يمكن أن نسميه الشكل المعتدل؛ وهو شكل نصف شعري ونصف نثري، نصف واقعي ونصف خيالي، بل قل إنه قدرة فذَّة على معانقة الواقع بطرائق خيالية نأى عنها الجموح التهويمي الخاوي. فلقد وُفِّقوا أيَّما توفيق في ابتكار ملغمة فنية تجمع المعيش وما فوق المعيش في تركيبة واحدة تندغم عناصرها المتباينة على نحو حميمي أصيل.
أما الشعر في هذه الأيام الراهنة فتهويم وجنوح إلى الغيبوبة، وتتسلط عليه أشكال خوائية تفتقر إلى نبضة الحياة وأنفاسها الدافئة، حتى لكأنه جثة ميتة تعجز عن التنفس لفرط ما ينقصها من (الهموغلوبين) الذي من شأنه أن يهب الكائن الحي النضارة وتورد الوجنات. ولا ريب في أن كائناً هذا حاله لمما تعافه النفس السوية المعافاة؛ إذ لا يمقت الإنسان شيئاً أكثر مما يمقت الجثمان.
ونظراً لهذا العجز عن معانقة الحياة، بما فيها من تدفق وسيولة وغضارة، فقد أقلع الناس عن قراءته، فراحت مجموعاته المطبوعة – وما أكثرها! – تتكدس في المستودعات دون أن يأبه لها أحد، اللهم إلا أن يكون ذلك لماماً أو على ندرة.
ولا أكتمكم أنني قلما أملك القدرة على أن أقرأ مجموعة واحدة مما يُكتَب من شعر في هذه الأيام العجاف.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة