مظلة تعانق عصفوراً والمدى

مصر – محمد عطية محمود:

المشهد صار خلفك.. لا تدري إن ظل ثابتاً أم تحرك.. أم سكن موغلاً في صمت ضحى مشمول بنسمات البحر، وصوت النوارس المناوش على المدى، تبحث عن صيد لها تحت سطح يتولاه الهدوء الخاشع، وصدر حنون لمويجات تعالج هدأة البحر بدرفلات متقاطعة متوالية.
هل تغيرت الأبعاد في تلك اللحظة، وأنت تنعطف، لتأخذ مسارك المعتاد على الرصيف المقابل لرصيف البحر.. هل استطالت قوائم تلك المظلة الحديدية الباردة للانتظار؟ أم استقرت كما هي تعاقر صمت خلوها من غريب يلتمس غريباً، وصدأ لا تفلح معه الدهانات الزرقاء الباهتة المتعاقبة، ولا التماسات التمسك بها من أيد يتوالى عليها الارتعاش والوجل ونشوة الانتظار التي تتأرجح بين المكوث والعناد وظلال التململ في المكان، والرغبة في مفارقته، أو التشبث به دون الوصول إلى تحقق قد يكون أو لا يكون، وقد يظل معلقاً على مشجب الأمل ومحطات الغيب والقدر.
المشهد بات أمامك.. حين اكتملت انعطافات واستدارات كتفيك وجسدك ونظراتك المترقبة المتوالية دون تحديد لما سوف يتوالى على بصرك، ويتجسد منعكساً بصورتك على الزجاج العريض للبناية التي كحلها سهاد الليل ووطأة فلاشات الإعلانات الضوئية التي تعتليها، وأنهكتها قسوة الإشارات المفاجئة للسيارات المارقة طوال الليل، وفسفور العلامات المضيئة على أسفلت الكورنيش.
يتجلى مشهد المظلة مكتملاً.. يبدو أمامه البحر ببساطه الممتد في الزجاج الذي ابتلع بعرضه المدى مغبشاً يتقاطع فيه أزرق البحر مع أزرق السماء، مع كتل السحاب التي تتجمع وتتفرق لتصنع مزيجاً من الأبيض والرمادي المخترقين بأشعة الشمس.
يقتحم عصفور صغير المشهد.. يتشبث بحافة إحدى النوافذ الجانبية للبناية.. تتوالى نظراته مخترقة الزجاج الذي اكتنز صورة للبحر وارتعاشات النوارس البيضاء تعود فيه من جديد.. يرفرف بجناحيه.. يتخبطان.. يتقافز بمخالبه الضئيلة.. تتعلق بالحافة وتتأرجح.. يتقهقر إلى الوراء في شريط رفيع كصراط، يرتفع عنه بارتباك ورعشة، ثم يعود ليتشبث.. يعاود النقر والرفرفة والانزلاق على صفحة الزجاج، يتمسح فيه بعنقه.. يمتطي الهواء ثم ينزلق ملاصقاً للزجاج، ثم يهبط بكامل جسده مستقراً على الحافة بلهفة واضطراب.
تتوالى الرعشات.. يتلفت.. يرتطم كامل جسده بالزجاج.. يرتد مذعوراً.. يكاد يسقط.. يتمسك بالهواء.. يتمالك زمامه.. يكرر المحاولة.. يعاود النقر بدقة وتركيز خاطفين، حتى يهبط به جناحاه بغتة، بلا اتزان على أرض الرصيف، وسط شريط من الحشائش الخضراء.. يتلفت حوله.. تتوالى دحرجات عينيه نحو المظلة الخالية، فيما انفض الرصيف قبالة الكورنيش مــن الواقفــين والمــارة.
تلتفت بكامل جسدك.. يأسرك مشهد العصفور الذي سكن بغتة متأهباً إلى جوار المظلة.. تجفل عيناه مرات، يتلفت نافضاً جناحيه، ينطلق صوب زرقة البحر والسماء الصافية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة