دستورية الإصلاحات ونواب الرئيس

سلام مكي *

ورقة الاصلاحات الأولى التي اعلنها مجلس الوزراء وصوت عليها مجلس النواب، تضمنت العديد من المواد والنصوص التي تعالج شتى المسائل التي تخص العملية السياسية والتي يراها مجلس الوزراء انها تشكل خللاً في ادارة الدولة . من ضمن تلك الورقة كان قرار الغاء منصب نواب رئيس الجمهورية. هذا المنصب الذي اثار الكثير من الجدل القانوني والسياسي حول اهميته ودوره في الحفاظ على النظام العام والدولة. في الدورتين الاولى والثانية، كان لرئيس الجمهورية اثنين من النواب، ولكن بعد ذلك، تم جعلهم ثلاثة، برغم اعتراض المرجعية الدينية والقوى الشعبية. لأجل ترضية بعض الاطراف التي لم تفلح بالحصول على مكسب او منصب، يؤهلها للاغتراف من النهر العراقي. لاقى هذا القرار اصداءً واسعة من قبل الشارع السياسي خصوصاً من قبل الجهات التي مسها القرار، اذ صرح احد النواب المقالين بموجب هذا القرار، انه سيلجأ الى المحكمة الاتحادية للطعن بالقرار، على اعتبار انه غير دستوري، ومنصبه ليس خاضعا لرئيس الحكومة! كما ان رئيس الجمهورية وبحسب تصريحات وزير الخارجية، لم ينفذ امر اقالة نوابه الى الآن، مما يعني انهم مازالوا في مناصبهم، ضاربين بعرض الحائط قرارات مجلسي الوزراء والنواب وحتى الارادة الشعبية التي دعمت هذا الاجراء وعدته احد ابواب الاصلاح. وبخلاف تصريحات حزب احد النواب حول اهمية ورقة الاصلاحات وهل يمكنها ان تغير الاوضاع، نجد ان مهاجمتهم له، نابع من استهدافه للمنصب الذي يتمتع به النائب الذي يترأس ذلك الحزب. هذا المنصب الذي يكلف خزينة الدولة ملايين الدولارات شهرياً، لابد من تقييمه، وعمل دراسة حول ما حققه من انجازات وما له من اهمية بالنسبة لإدامة عمل الحكومة والسلطة التنفيذية والتشريعية. وهل يستوجب ان يكون للرئيس ثلاثة نواب؟ كما قلنا: القرار وبرغم صدوره منذ عدة اسابيع، الا انه لم ينفذ الى الان، والسبب سياسي ودستوري، فطبيعة هذا المنصب الذي تشغله شخصيات تمثل مكونات اساسية ولها ثقل سياسي داخل البرلمان، اما بالنسبة للجانب الدستوري، فيرى البعض انه قرار مخالف للدستور، ذلك ان نواب رئيس الجمهورية أتوا بموجب قانون، وفي حالة انتفاء الحاجة لهم، يجب اصدار قانون آخر، ولا يمكن الغاء منصبهم بناءً على ورقة اصلاحات، لا ترتقي الى قانون! ما حصل قبل ايام، عالج المشكلة الدستورية، اذ صدر قانون الغاء قانون نواب رئيس الجمهورية! وهو ما يعني في حالة اقراره من قبل مجلس النواب، ان لا نواب لرئيس الجمهورية بعد اليوم، ولا يحتاج تنفيذ القانون الى موافقة احد او توقيع احد حتى رئيس الجمهورية نفسه، اذ ان مجرد صدور قانون يلغي قانونا آخر، يعد الاول بحكم العدم. هذا القانون له درجة كبيرة من الاهمية، اذ انه يضفي صفة الدستورية على الاصلاحات التي اعلنت مسبقا، ويقطع الالسن التي تدعي انها حريصة على تطبيق الدستور وعدم خرقه، اذ ان هذه الخطوة موافقة للدستور. مجلس الوزراء، فعل ما يتوجب عليه فعله، بقيت الكرة الان في ملعب البرلمان، فهو الان المعني بمشروع القانون، ولو جئنا الى قراءة الاحداث وموافقة البرلمان بالإجماع على ورقة الاصلاحات التي تضمنت الغاء منصب نواب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، فهذا يعني تلقائياً موافقة البرلمان على اقرار المشروع، لأنهم سبق وان وافقوا عليه قبل اسابيع، فلا يعقل انهم سيرفضونه! وفيما يتعلق بالجدوى من الغاء هذا المنصب، وهل هو جاء تلبية للمطالب الشعبية؟ وما هي تلك المطالب؟ وهل طالب المتظاهرون بإلغاء منصب نائب رئيس الجمهورية؟ لاشك ان هذا المنصب وغيره يعد حلقة زائدة لا جدوى منها، ولا أهمية له في تسيير اعمال الدولة اذا علمنا ان رئيس الجمهورية نفسه، يعد منصباً تشريفياً مهمته التوقيع على الاوراق. وفيما لو وافق البرلمان عليه، فإن اولى نتائج هذا الالغاء هو توفر المبالغ المالية الكبيرة التي كانت مخصصة كحمايات ورواتب ونثريات ومخصصات للنواب الثلاثة وحاشيتهم، اذ ستذهب تلك الاموال الى الخزينة العامة بدلا أماكن أخرى، وهذا يعني توفر خدمات أكبر، وظائف، فرص افضل للعيش. ننتظر هذه النتيجة الطبيعة لإلغاء هذا المنصب، وإلا، فلا جدوى من إلغائه، اذ ان الاموال ستذهب الى اماكن أخرى، ويصبح القانون مجرد نقل للأموال ولكن بحماية القانون. هذه اول قطرة اصلاحية مغلفة بالدستور، وفي الطريق الصحيح، ننتظر من البرلمان المزيد من القطرات الاصلاحية التي تنتظرها الارض العطشة للنماء والعمل الوطني الصحيح البعيد عن المصالح الحزبية والفئوية. ويجب على المتظاهرين بالمقابل، الالتفات الى هذه المسألة الاساسية وهي جعل المطالب دستورية او سلك السبل التي كفلها الدستور في تحقيق المطالب والا تكون هناك عشوائية في طرح المطالب.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة