نحو نظرية فلسفية في الحجاج

الجزء الاول

شاييم بيرلمان
ترجمة: أنوار طاهر

تُعرف نظرية (الحجاج) l’argumentation بكونها نظرية تُعنى بدراسة التقنيات الخطابية techniques discursive التي تهدف إلى حث عقول ألمُخاطَبين أو إلى رفع نسبة تأييدهم الى القضايا المطروحة للنقاش في سبيل الوصول إلى اتفاق عام. وبكونها نظرية تعمل على فحص واختبار الشروط التي تساعد على بدء الحجاج وتطويره، والآثار الناتجة عنه أيضا. وهو تعريف يدعونا إلى التفكير مباشرة في البلاغة القديمة.
في الواقع، أنا من المهتمين بمختلف أشكال الحجاج بمقدار ما تمثله من عناصر حجة ودليل تساهم في حث المخاطَب على التثبت (العقلاني، المنطقي) من القضية المطروحة في الجدال، ومن ثمة، إلى (إقناعه) استنادا إلى منطق الحجاج البلاغي الذي يضع المخاطَب وسياقاته الثقافية وجميع حالاته الذهنية والانفعالية والعاطفية بالاعتبار. من هنا، سوف لن أولي تلك الأهمية المعطاة لقضية عرض تلك الحجج بصورة شفوية كانت أم كتابية، الأمر الذي سيجعلني لن أوجه نظري كليا صوب كل ما يتعلق بالفعل الخطابي للمتكلم.
أضف إلى ذلك، أني لست من المهتمين بوجه خاص بالخطب الموجهة علناً إلى جمهور محتشد -كما هو الحال في البلاغة الكلاسيكية- في ساحة التجمع العامة، حيث يتبادل فيها الجميع الآراء حول المشاكل والقضايا المشتركة، دون تمييز نخبوي بين العامي والسياسي والفيلسوف أو في منتدى التجمع العام الروماني (forum) وهو مكان يقابل نفس الوظيفة لساحة (أجورا) عند اليونانيين في القديم، بل سأتوسع في نطاق أبحاثي حول نظرية الحجاج، ليشمل جميع أشكال الجمهور التي يمكن ان نتصورها، وبصورة أكثر تحديدا، لدراسة عملية النقاش مع مُخاطَب واحد حتى لو كان ذلك النقاش يجري أثناء عملية التفكير الذاتية الأكثر خصوصية حيث نقوم بفحص منافعه وعواقبه في قرارة أعماقنا. في هذه الحالة الأخيرة، حيث نلاحظ ان الأمر يتعلق باختبار قيمة الفرضية المطروحة للنقاش، وبأجراء مقارنة بين النتائج التي نصل إليها من خلال استنتاجنا للواحدة منها بواسطة الأخرى، أو بأجراء مقارنة بين هذه النتائج مع فرضيات أخرى، وذلك بُغية النظر في أيٍ من تلك الإجراءات يمكن أن يتم تعزيز تلك النتائج أو إنكارها. يمكننا ان نجد لهذه العملية مماثلا في مفهوم (الجدل السقراطي) بوصفه جزء من نظرية بأكملها، جرى وضع أسسها في كتاب الفيلسوف اليوناني أرسطو (الطوبيقا) Topiquesوتمّ تعريفها بأنها «فن طرح السؤال والجواب على حد سواء، وتوجيه النقد ودحضه في آن واحد».
لاحظوا هنا، أن ذلك الفن من التحاجج والذي عمل الفلاسفة السوفسطائيون جورجياس وبروتوجوراس وكذلك زينون الايلي على تطوير أدواته، يتعلق على الدوام بمفهوم التأييد لقضايا إنسانية قيّمية وأخلاقية وسياسية تقع محل تجاذب ومقارنة، حيث نسعى إلى إقناع المخاطَب بصدقها من عدمه باستخدام مختلف أنواع الحجاج، والى أن نعرض للأسباب المؤيدة والمعارضة للقضية المطروحة، وذلك بهدف التأثير في نهاية المطاف على الفرد وتفعيل قدراته الذهنية والعقلية بأسرها. فأحد أهم خصائص الخطابات الموجهة للجمهور هي قدرتها في ان تشكل دافعا يحث ألامكانيات الفردية لكل واحد منهم كي تتمكن من التحول إلى مرحلة إنتاج الفعل والتوفر على عناصر الاستعداد المسبّق لكل عمل محتمل الوقوع. نتيجة لذلك، لا يمكننا الفصل في حقل الحجاج بين العقل والإرادة، أو بين النظرية والتطبيق.
إن بنية موروث تاريخ الصراع منذ سقراط وأفلاطون لذلك الخطاب الحجاجي السوفسطائي المتعلق في البحث عن تأييد المخَاطب وحثه على الفعل، وكذلك مع مفهوم جورجياس في السايكاكوجي، شكلت مقدمة لجينالوجيا السلطة المتطابقة مع خطابات الوعاظ والدهماء؛ وتقويضا لميتافيزيقا الحقيقة التي تعتبر مطمح كل فيلسوف. فكما هو معروف، ان الفيلسوف لا يعير أهمية لرأي العامة ولا يهتم بالكيفية التي يتحقق بواسطتها إقناع وكسب تأييد الحشد البسيط والجاهل، بل يسعى إلى الوصول إلى مفهوم الحقيقة لغرض التهيئة والإعداد لمعرفة مطلقة غير نافدة الصلاحية. وهذه هي بالضبط الثيمة المركزية التي عرضها افلاطون في محاورته «جورجياس». ومما لا شك فيه، أنه لم يكن كافيا بالنسبة لأفلاطون معرفة الحقيقة، وإنما يجب أيضا ان تكون حقيقة متداولة وينبغي على الحشد الاعتراف والإقرار بشرعيتها.
ومن اجل تحقيق هذا الغاية، كان لابد من اللجوء الى البلاغة، وتوظيفها بالطريقة المناسبة كي تكون-مثلما قال أفلاطون في محاورة «فيدروس»- بلاغة جديرة بالآلهة أنفسهم. لكن، المهمة الرئيسية للفيلسوف تقتضي منه التأسيس لمفهوم الحقيقة، أما مسألة التواصل وتشكيل حقائق تداولية، فعلى قدر ما تحمله من أهمية ذات طابع اجتماعي، إلا إنها تظل مسألة غريبة على الفلسفة. وهنا، علينا ان نتساءل: هل يمكن الفصل بين الفلسفة والحجاج؟ في الوقت الذي يكون فيه البحث عن الحقيقة هو الغاية الحتمية في الفلسفة، ومرتبط ارتباط وثيق ومتلازم بالجدال، لدرجة يصعب معها استبعاد الحجاج؟
في مقالته المتميزة (البلاغة، الجدل والمطلب الأول), المنشورة في العدد المخصص لنظرية الحجاج، يعلن البروفسور في كلية الآداب-بوردو، الفيلسوف الفرنسي جوزيف مورو ، وبوضوح ان أفلاطون كان على إدراك تام بأننا لا نتناقش في مسائل يمكن حلها بطريقة موضوعية بفضل عمليات رياضية غير قابلة للجدال: «إذا اختلفنا في الرأي أنا وأنت، يقول سقراط لاوطيفرون، حول عدد الأغراض الموجودة في سلة؛ أو طول قطعة قماش أو حول وزن كيس قمح، فلن يصل الحال بنا إلى حد التخاصم من اجل ذلك السبب أو إلى فتح باب النقاش. بل يكفينا ان نقوم بإحصاء الأشياء وقياسها أو وزنها، لينتهي مثل هذا الخلاف الذي لن يدوم ولن تتصاعد حدته إلا عندما نفتقر إلى وجود مثل تلك العمليات في القياس، ومثل تلك المعايير الموضوعية، وهذا ما يكون عليه الحال -يحدد سقراط- عندما نختلف حول مفاهيم العدل والظلم؛ الجمال والقبح؛ الخير والشر، وبكلمة واحدة حول موضوع القيّم . لكن لو أردنا ان نتجنب، في مثل هذه الحالات، ان يتحول الخلاف إلى نزاع قد لا يحل إلا بوسيلة العنف، فليس هناك من طريقة أخرى سوى اللجوء إلى نقاش عقلاني. ويبدو هنا ان الجدل، الذي يُعرّف بأنه فن النقاش، هو المنهج الملائم في حل المشاكل العملية التي تتعلق بغايات الفعل الإنساني والقيّم الأخلاقية. نتيجة لذلك، كان يولي أفلاطون لذلك المنهج تقييما كبيرا، فكان المنهج المعتمد استعماله في المحاورات السقراطية لغرض فحص مثل ذلك النوع من المسائل».
لكن، إذا كانت المسائل الفلسفية هي تلك التي تتعلق تحديدا بالقيّم، ومن ثمة، هي من المسائل النسبية التي يتعذر معها العثور على وسيلة للتخلص نهائيا من الجدال والنقاش، لتتوفر بالضرورة على شروط البحث عن حقائق صادقة تماما وغير قابلة للطعن أو الاعتراض. لهذا، شهد العصر الكلاسيكي صراعات كبيرة في الاختصاص والكفاءة بين الفلاسفة وعلماء البلاغة سيما في مبحث القيم وقواعد الاخلاق. إذ ان مساعي الفلاسفة في إلزام الحشد بالاعتراف بالحقائق المطلقة والإقرار بشرعيتها، جعلتهم مرغمين على الاستعانة بالتقنيات التي جرى تطويرها من قبل علماء البلاغة والتي تشتمل على كل من: الجدل والبلاغة، أي الحجاج.
لذلك، حصلت عملية متكاملة لإفراغ الجدل والبلاغة من كل قيمة قابلة للفحص والاختبار وتحويلهما إلى مجرد تقنيات بيداغوجية؛ سايكولوجية أو ادبية لغرض تعزيز التأييد والموافقة على حقائق راسخة بواسطة عمليات ومناهج قطعية، خدمة لمصالح رؤى دوغمائية أو علمية. فمن المعروف مثلا، ان وظيفة تقنيات الجدل والبلاغة بالنسبة لأصحاب وجهة النظر الدينية، ليست في تثبيت الحقائق الغيبية المطلقة عند المؤمنين، وإنما في العمل على حفرها ونقشها في عقولهم من اجل ان تكون حاضرة وراسخة في وعيهم ومطبوعة بوصفها اتجاه في سلوكهم. لهذا السبب لم تتعرض قيمة تلك الحقائق للمساءلة والدحض إطلاقا حتى نهاية القرن السادس عشر.
لكن، ما ان تبددت وحدة العالم المسيحي مع ولادة (حركة الاصلاح) بشرعيته من قبل جميع الافراد بمعزل عن انتماءاتهم الدينية المختلفة. ويقدم لنا هذا الطموح العام، تفسيرا واضحا للمكانة الباهرة التي مُنحت للفلسفة في القرنيين السابع عشر والثامن عشر.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة