الأخبار العاجلة

وضحة العراقيّة

انها قصت حب عذبة، وفي الريف يرتبط الحب بأعراف العشائر وابن العم وابنة العم وحين باءت وساطات الخيرين بالفشل، ولم يكتب لزواجهما النجاح، عمدا مضطرين الى الهرب، واستقر بهما المطاف بعيداً عن قريتهما في (خرابة) مهجورة، ولم يكن مع الفتى سرحان غير وارد المحصول الذي قبضه عن زرعه لذلك الموسم، ولم يكن وضحة سوى (صرة) ملابسها وخزامتها الذهبية!
عقدا قرانهما، وباعت وضحة (الخزامة)، واقتنيا حاجات المنزل الضرورية، وعاشا على بساطة حياتهما، اياماً من السعادة، وكان سرحان يحلم بتوفير حياة افضل لزوجته، لذلك انهك نفسه بالعمل، وكانت وضحة تجمع الدينار على الدينار، وتستكمل اثاث منزلها، مثلما كانت تدرك ان زوجها الطيب كان يفعل ذلك، ليس من منطلق مسؤوليته فقط، وانما لإسعادها كذلك، ومن هنا قادتها فطرتها الى تربية الدجاج وتكثيره، وكانت تجمع البيض وتعرضه للبيع على البيوت المجاورة ومر عامان على زواجهما حين التحق سرحان بالجبهة ايام الحرب العراقية الايرانية، وتحملت وضحة وحدها اعباء المنزل معتمدة على ما يدره البيض عليها، ولكن المبلغ كان شحيحاً، وعبر شد الاحزمة على البطون امضيا شهوراً عصيبة من ضنك العيش، فراتب الخدمة الالزامية الذي يتقاضاه زوجها لا يكاد يسد اجور الطريق، ومع ذلك كانت وضحه تتدبر امرها بصعوبة بالغة، حتى انها كانت تأكل يوماً وتصوم يوماً، ولكنها راضية صابرة وتنتظر الفرج، لولا ان الحرب خطفت زوجها فيمن خطفت من شهداء، وصمدت القروية وحيدة، تعيش على ما تبيع من البيض، وانتهت سنوات الحرب، واحتل العراق الكويت، وخرج من الكويت، وتم اقتياد الناس لانتخاب صدام حسين رئيساً للجمهورية، ودخلت البلاد في حرب جديدة مع قوات التحالف وسقط صدام، وتم احتلال العراق، ووضحة تعيش على ما تبيع من البيض، تأكل يوماً وتصوم يوماً آخر، ثم قام مجلس الحكم وجرت انتخابات تلتها انتخابات، وشهدت البلاد ولادة مجالس المحافظات والبرلمان، وصدرت مئات التشريعات، وتشكلت حكومات علاوي والجعفري والمالكي والعبادي، ورئاسات الياور والطالباني ومعصوم ووضحة تأكل يوماً وتصوم يوماً آخر، وزادت كميات النفط المصدر، وامتلأت خزينة الدولة بمليارات الدولارات، وقدمت الحكومة معونة انسانية لليابان، وطفحت عيون المفسدين بالأموال والمركبات، ووضحة العراقية ما زالت تعيش على ما تبيع من البيض.. تأكل يوماً وتصوم يومين!!
حسن العاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة