مزادات الدولار مرة أخرى

علي صابر محمد *

بتاريخ 2/7/2015 كتبنا حول مزادات الدولار وما يرافقها من مواطن ضعف في طريقة ادارة المزادات والشروط الواجب توفرها للداخلين فيها وكيفية تسييرها كونها قناة واسعة وخطرة ممكن استثمارها لتهريب العملة وغسيل الاموال والمخاوف التي ترد باستنزاف العملة الصعبة للعراق وأستغلال البعض من الفاسدين للقوانين غير الرصينة التي تنظم عمل البنك المركزي وآليات التحويل الخارجي للاضرار بمصالح البلاد من دون تمكن الجهات الرقابية الحد من هذا النزيف ومحاسبة المتورطين به ولكن المعلومات الصاعقة التي كشفها الدكتور أحمد الجلبي رئيس اللجنة المالية في البرلمان عبر قناة الحرة عراق بتاريخ 8/9/2015 تضطرنا الى أعادة الكتابة حول الموضوع لما له من أهمية على اقتصاد البلاد الآيل للأنهيار
ورد في البيانات التي تم كشفها بان استيرادات العراق الفعلية للفترة من 2006 ولغاية 2014 بلغت 115 مليار دولار في حين قام البنك المركزي ببيع دولارات الى البنوك الاهلية للفترة نفسها ولأغراض الاستيرادات بمبلغ 312 مليار دولار أي قرابة ثلاثة أضعاف الحاجة الفعلية للبلد من السلع المستوردة والفرق ولعدم معرفة مصيره يمكن الجزم بأنه هرب الى الخارج كغسيل أموال بما لا يقبل الشك والطامة الكبرى وأمام هذا النزيف الكبير للعملات الاجنبية يرفض قسم غسيل الاموال في البنك المركزي العراقي أدراج واجب التحري على مبيعات الدولار ضمن واجبات القسم في قانون البنك المركزي العراقي ، وأن هناك أحد المصارف الاهلية المشتركة في المزادات قامت بشراء 8 مليارات دولار خلال ثلاث سنوات وحولت ما قيمته 6.8 مليار دولار منها الى عمان ومن دون أن يتم محاسبتها من قبل البنك المركزي ومعرفة مصير الاموال المحولة ، وان هناك شركة أهلية عراقية رأسمالها 50 مليون دينار عراقي اشترت من المزاد ما قيمته 1216 مليون دولار وبذمتها ضرائب مستحقة للدولة بأكثر من 35 مليار دينار ولم تتمكن الهيئة العامة للضرائب من معرفة عنوانها ومازال صاحبها مستمراً بدخول المزاد ، وهناك حالة أختلاس في أحد فروع مصرف الرافدين وبمبلغ يزيد على 400 مليار دينار لم تتم متابعتها واسترجاعها الى الخزينة ، ووجود شركة تحويل مالي عراقية حولت الى الاردن ما قيمته 547 مليون دولار لم يتم معرفة مصير تلك الاموال ، وأذا كانت الصكوك الطيارة المستعملة في المزاد التي تناولها السيد رئيس اللجنة المقصود بها تحرير صكوك من دون رصيد مسبق والاستفادة من فترة المقاصة التي تستغرق عدة ايام ثم أيداع المبلغ لتغطيته بعد بيع الدولارات فبذلك هم يتاجرون بأموال الدولة وليس بأموالهم ، فلم لا يتم حجز قيمة الصك هاتفياً للتأكد من وجود رصيد كافٍ وتحميلهم كلفة وعمولات النداءات ؟ وهناك العديد من حالات الفساد التي تم التطرق اليها وكشفها تهز العقول وتبعث الأسى في النفوس فيا ترى ما هو نوع الدولة التي تقاد بهذا الاسلوب المنفلت وما هو دور الطواقم الوزارية والملاكات الوظيفية المسؤولة عن متابعة هذه الملفات ؟ وأين الحرص على المال العام وضوابط الوظيفة بل وحتى القيم الاخلاقية ؟ ولو أضفنا ما ورد أعلاه الى ما كشفه النائب هيثم الجبوري من أرقام وحالات من الفساد والجهات المتورطة به لتقشعر لها الابدان ويقف عندها التفكير ونصل الى نتيجة بأنه لن تقوم للعراق قائمة ضمن هذه المعطيات
في الوقت الذي يقف العراق منفرداً في ساحة الوغى يحارب داعش وكل الارهابيين نيابة عن العالم يعيش أزمة أقتصادية حادة بسبب هبوط سعر النفط العالمي من 100 دولار الى 43 دولار للبرميل الواحد ( والنفط العراقي يباع بأقل من سعر برنت بنحو 8 دولارات للبرميل الواحد ، أي ان النفط العراقي يباع بنحو 35 دولاراً للبرميل الواحد ) ولكون الاقتصاد العراقي أحادي الجانب وريعي يعتمد بنسبة لا تقل عن 95% من موازنته على واردات النفط لذا فالمعاناة كبيرة جداً خاصة اذا علمنا بان الرواتب الحكومية وحدها وبكل مفرداتها تصل الى 40 مليار دولار سنوياً ( منها 11 مليار دولار رواتب أسمية و29 مليار دولار مخصصات بكل أنواعها ) وما يباع من النفط اليوم لا يغطي الرواتب وحدها هذا اذا استثنينا النفقات التشغيلية الاخرى اما المشاريع الاستثمارية فقد توقفت كلياً ، واذا علمنا بان مبيعات المزاد من الدولارات خلال شهر آب الحالي تجاوز الخمسة مليارات دولار أي أكثر من ايرادات النفط لهذا الشهر فهذا يعني بأن البنك المركزي في حالة استمراره بالمزادات من دون تقنين أو الالتزام بالضوابط سيضطر في النهاية الى أستهلاك الاحتياطي النقدي للعملة وهذه تعد الضربة القاضية التي ستوقع الاقتصاد أرضاً وينهار معها سعر صرف الدينار العراقي
لقد كشف السيد رئيس اللجنة المالية بأن الفساد في هذا المفصل قد شخص وسلمت ملفات جاهزة حوله الى القضاء ولكن الفساد المستشري داخل المؤسسات القضائية حال دون محاسبة المتورطين به ، ونرى بأن أي أصلاح يراد القيام به ما لم يشمل أصلاح القضاء وتنظيفه أولا سيكون قاصرا والحملة التي يقودها رئيس مجلس الوزراء ما زالت غير فعالة قياساً بحجم الفساد وضخامة الاموال المسروقة ، وأن تحريك مثل هذه الملفات الجاهزة وتفعيل حسمها قضائيا وبعدالة يمكن أن تكون صفعة قوية لمواطن الفساد ورادعاً قوياً للمستمرين بنهب البلاد ، ومع كل ما يقال فيجب على الجميع دعم الحملة ومؤازرة رئيس مجلس الوزراء سلمياً يرافق ذلك ليس خطوات وأجراءات صارمة من رئاسة مجلس الوزراء فحسب بل وتثقيف الناس من قبل الناشطين المدنيين على حقوقهم وتبصيرهم بحقيقة ممثليهم في البرلمان والثبات على الموقف في التصدي للمفسدين
وأزاء هذا الفساد الذي ينخر مفاصل الأجهزة المصرفية وحتى الأهلية منها يطرح تساؤلاً عن طمأنينة المواطنين بايداع مدخراتهم في البنوك الاهلية وهل هناك ثقة بهذه المصارف وهل سيتمكن المواطن من استرجاع مدخراته في حال تعرض المصرف الاهلي الى اية هزة أو افلاس ؟ وكل المعطيات تشير بانه لا ضمانة في الوقت الحاضر بالبنوك الاهلية ما لم يشرع قانون حماية مبالغ المودعين أسوة بالدول المتقدمة والمستقرة أقتصادياً وسياسياً وذلك بقيام جهة أخرى بحماية أموال المودعين لدى المصارف وهذا القانون لم يشرع بعد ، وعند حصول مثل هذه الكوارث تعامل المصارف الاهلية معاملة الشركات المفلسة وتقسم موجوداتها بين المودعين والمالكين قسمة غرماء وحسبما يتبقى من موجودات الشركة الثابتة منها والمتداولة.

*كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة