تظاهرات بابل والادّعاء العام

سلام مكي*

ما صاحب تظاهرات بابل الاخيرة من محاولات اقتحام مقر الحكومة المحلية ومجلس المحافظة هو دليل نفاد صبر الجماهير، وعدم استعدادها للاكتفاء بالتظاهر السلمي اذا لم يحقق اهدافه. عدة اسابيع مضت على اعتصام بابل ولم تتحقق اي من اهدافه. مما دفع الجماهير الى اللجوء الى خيار ابعد من السلمية، وهو اجبار المسؤولين على تنفيذ مطالبهم بالقوة! ما يهمنا من هذه التظاهرات التي أسهمت بعمل مهم وغير مسبوق وهو تدخل الادعاء العام في بابل وشعوره بمسؤولياته القانونية اكثر من أي وقت مضى، اذ بين رئيس الادعاء العام في بابل ان الفساد هو السبب المباشر في خروج التظاهرات ووعد بمعالجة هذا السبب عبر تفعيل القانون واتخاذ الاجراءات القانونية بحق المفسدين.
وهذه اول مرة يتدخل الادعاء العام في قضية سياسية وشعبية، بعد ان كان دوره محصوراً في اروقة المحاكم. بعض المواقع الالكترونية الغرضة بينت اجراء الادعاء العام على انه محاولة لترضية جماهير بابل بعد اعتداء قوات الامن عليها، في اثناء محاولتها اقتحام مجلس المحافظة. فاتها ان تصريح الادعاء العام يخص ملفات الفساد وان تحريك الدعاوى الجزائية ضد مسؤولين متهمين بالفساد، وليس لسبب آخر.
وهذه اول ثمار التظاهر اذ ان الاعوام السابقة لم تشهد تدخلا مباشراً من قبل جهاز الادعاء العام في قضايا الفساد اذ ان هيئة النزاهة وقاضي التحقيق والجنايات هي الجهات التي تتولى متابعة قضايا او دعاوى الفساد، والادعاء العام قد يتدخل عبر تمييز القرار الصادر من تلك المحاكم في حال تبين له انه مخالف للقانون! فلم يستعمل سلطته في تحريك الشكاوى الا نادرا، واليوم حدث العكس، اذ بادر الادعاء العام الى تحريك شكاوى بنحو مباشر من دون انتظار الاخبار من احد.
وهي خطوة ترسخ مبدأ الادعاء العام بوصفه ممثلا عن المصلحة العامة والمجتمع.
لكن، بالرجوع الى تصريح المدعي العام في بابل، حول دور هيئة النزاهة وفتح ملفات فساد سبق ان اغلقت يعطي دلالات سلبية عن دور الهيئة في التعامل مع ملفات الفساد التي يتم الاخبار عنها ودور الادعاء العام في تلك الملفات، اذ انه يملك الاختصاص الاصيل في حماية المال العام قبل تشكيل هيئة النزاهة، فنص المادة الاولى اولا من قانون الادعاء العام ينص على ان من مهام الجهاز هو حماية نظام الدولة ومؤسساتها والحفاظ على اموال الدولة والقطاع العام.
هذا النص شرع عام 1979، وبقي العراق يعتمد على هذا النص في مواجهة الفساد المالي لحد سقوط النظام اعتماداً على هذه المادة، بعد التغيير تم استحداث عدة جهات لتمارس مكافحة الفساد، منها هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية ومكاتب المفتشين العموميين.
تعدد جهات الفساد، أسهم بتغييب دور الادعاء العام في ممارسة مهامه القانونية في مكافحة الفساد والحفاظ على اموال الدولة. تصريح المدعي العام اشار الى قضية بالغة الاهمية وهي ان هيئة النزاهة بناءً على نص المادة 13 اولا من قانون الهيئة رقم 30 لسنة 2011 التي تقول: للهيئة بقرار من رئيسها حفظ الاخبارات دون عرضها على قاض التحقيق المختص من دون عرضها على قاضي التحقيق المختص، اذا وجدها لا تتضمن جريمة ما، او ثبت لديه بالتحريات والتحقيقات الاولية عدم صحة الاخبار او كذبه.
فبناءً على هذه المادة، تم غلق 249 اخباراً طلب المدعي العام اعادة تدقيقها، وقال ان 27 اخبارا يحتوي على ادلة! وان سبب غلق تلك الملفات حسب قول المدعي العام هو نقص الخبرة لدى موظفي الهيئة ولوجود خلل تشريعي وهي المادة المشار لها في اعلاه.
ونسي السيد القاضي ان الفقرة ثانيا من المادة 13 اعطت الحق لقاضي النزاهة طلب اي اخبار يتم غلقه على وفق الفقرة الاولى واتخاذ الاجراء المناسب له وفقا للقانون!!
فعدم تطبيق هذه المادة من قبل القضاء هو دليل على اتصافه بالصفات التي ذكرها المدعي العام بحق هيئة النزاهة! ولا نعرف ما معنى وجود قضية فيها أدلة يتم غلقها من قبل رئيس الهيئة!
ولا نعلم ما هي عقوبة من يغلق قضية تتوفر فيها ادلة تدين اشخاصا؟ علما ان قانون الهيئة لم يضع عقوبات لهكذا فعل.
ان تصريح المدعي العام في بابل له من الاهمية بحيث يجب الوقوف عنده، ومراجعة عمل فروع هيئة النزاهة في المحافظات وضرورة منح دور اكبر للادعاء العام كونه صاحب اختصاص اصيل في الحفاظ على المال العام وكلمة: الحفاظ على المال العام، يمكن تفسيرها لصالح الجهاز عن طريق منحه صلاحيات اوسع من صلاحياته الحالية ومراجعة عمل هيئة النزاهة بخصوص الملفات المغلقة وعدم منح رئيس الهيئة الحق في غلق ملف، والتأكيد على الزام القضاة بطلب الملفات المغلقة، لضمان عدم تكرار ما حصل مع هيئة نزاهة بابل. تبقى التظاهرات هي المحرك الاول المباشر لأي تقدم إداري او قضائي في سبيل تجاوز اخطاء الماضي القريب، والتحول التدريجي نحو القانون بعيدا عن السياسة.

*كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة