تكشف المقدس والمدنس في الدين والجنس

(عفاريت) إبراهيم الحجري

المغرب – الكبير الداديسي:

شكل الجنس تيمة أساسية في الكثير من الأعمال الإبداعية منذ القديم، والرواية العربية على حداثتها لم تكن بمنأى عن الخوض في مسألة الجنس، وإذا كانت الروايات الكلاسيكية قد عالجت المسألة من خلال التركيز على التيمات المألوفة المرتبطة الزواج/ الخيانة/ الفحولة / معاناة أحد الطرفين من عجز الشريك أو عدم إشباعه للغريزة الجنسية.
كما وتجاوز الرواية المعاصرة وصف الجنس في صفوف الداعرات، والشباب .. إلى النبش في جنس الفئات المتدينة التي تُظهر للعموم أن الجنس آخر اهتماماتها ما دامت اختارت الظهور بمظهر المسوح الدينية، فحاولت سبر أغوار التفكير الجنسي لدى المحجبات وشغفهن للجنس (كما في رواية حرمة لليمني علي المقري حيث كل هم البطلة المتدينة الظفر بعلاقة جنسية ولو عن طريق تعرضها لاغتصاب جماعي).
تحكي رواية (العفاريت) للروائي المغربي ابراهيم الحجري حكاية مركبة زمنيا موحدة مكانيا تسير فيها الأحداث زمنيا على خطين متوازيين لا يلتقيان: الديني المقدس أوخط الزمن الماضي: زمن الشيخ سيدي مسعود بن حسين في العصر السعدي (القرن السادس الميلادي) وفي هذا الخط تحكي الرواية كيف حل مسعود بن حسين في أرض دكالة (أولاد فرج) قادما إليها من بلاد القصبة (تادلة) مثقلا بالعلم والكرامات بعدما انفصل عن شيخه ومعلمه سيدي بوعبيد الشرقي الذي حدد له مكان إقامته (ارحل يامسعود يا ضراب العود أنت الآن قطب والقطبان لا يجتمعان اذهب على التلة الخضراء على الضفة الغربية لوادي ام الربيع وابن لك متاهة تفضي بك إلى الأسرار العلوية) ـ وعندما وصل المكان المعلوم، ترك لفرسه اختيار مكان بناء الراوية، وتمكن من أن يحظى بتقدير من عاصره من الأولياء وتقدير العامة له لما له من كرامات فهامت إليه الوفود من الإنس والجن، وعقد معهم التحالفات والمعاهدات وجاء في معاهدة الجن.
هكذا غدا مسعود يحكم بين الناس والجن بالعدل ويرد للمظلومين حقوقهم، لا يرضخ، لا يذعن لسلطة أحد، بمن فيهم السلطان الأكحل الذي زار الزاوية، وقرر هدمها والتخلص من مؤسسها بعد الاستقبال الذي خصه به ورأى فيه السلطان استقبالا يحط من قيمته كسلطان. لكن مسعود استطاع دحر جنود السلطان بعد الاستعانة بأحلافه الذين طلب معونتهم في إحدى جذباته، وبذلك دحر جندَ السلطان.
مقابل هذا الخط الذي تميز فيه البطل بالقداسة سارت أحداث الرواية على خط آخر مناقض هو خط آخر مدنس أو خط زمن الحاضر، وهو زمن تدور أحداثه قبيل الحرب العالمية الثانية وبعدها، وبهذا الخط افتتحت أحداث الرواية إذ انطلقت بوصف لساحة زاوية سيدي مسعود في الحاضر، وهي تعج بحركة زوارها من قاصدي الشفاء وطالبي العفو، والمترددون عليها للبيع والشراء (كحبيبي بائع الخبزو ولد مبارك بائع النعناع بريك الإسكافي، ميسي) ناهيك عمن يرتادها لأغراض أخرى كحطار، بركاوي، والحمقى والعاهرات والسكارى والمحتالين … ومن تلك الحشود يختار المؤلف شخصية بوشعيب الراعي/ العسكري كواحد من العفاريت الإنسية ليمحور حوله أحداث هذا الخط المدنس: كان بوشعيب يعيش حياته و(هو هائم طول عمره منصرف إلى ما تمليه عليه هواجس اللحظة متخطيا كل الخطوط الحمر لا يبالي بالحدود ومن تم كان يصنع مأسيه المتلاحقة، لكنه أبلى البلاء الحسن في الحرب وترقى في رتب الجندية الفرنسية، فتغيرت حياته من الراعي الذي (كان يقضي حاجاته في الخلاء كأي كلب … ويفرغ ضعفه الجنسي في أية دابة) إلى شخص (أصبح الآن يأنف من مضاجعة السمراوات المستوردات من إفريقيا وجنوب أمريكا وشرق أوربا كان عندما يفرغ من إحداهن يقول لها حمارة شارفة أحسن منك).
فإذا كان مسعود بمكانته الدينية فردا في صيغة الجمع (يجمع بين عدة تخصصات) يتحكم في الإنس والجن، يصلح ذات البين، يداوي، يحكم لا يخشى لومة لائم .. فإن رجال اليوم أفراد وزعوا منافقين ادعوا الانتساب للزاوية وغدوا يستغلون الناس وقد حدد كل واحد لنفسه هدفا فما أن تقصد مريضة الزاوية حتى تجد نفسها ضحية تنهشها عفاريت إنسية، ويسيل لعابهم لجسدها.
يظهر من خلال تتبع أحداث الرواية أنها تلامس بعمق تلابيب الثلاثي المقدس، الطابوهات الممنوع مقاربتها والاقتراب منها والتي ما قاربتها رواية إلا ثارت ثائرة العامة والخاصة ضدها: (السياسة، الدين والجنس).
في رواية (العفاريت) إذن تداخل صريح بين بين الدين والجنس وفي كل تيمة نميز بين خطين مختلفين: ففي الدين هناك خط خطي الدين النقي الطاهر الذي مثله سيدي مسعود ضراب العود. يأخذ من الدين الجوهر.
وخط التدين الظاهري الذي يستغل أصحابه الدين من خلال الاتفاق حول شكل معين من اللباس يوحي للجهلة أنهم اصحاب كرامات، وفي هذا السياق حرص السارد على أن يميز هؤلاء بلباس موحد (الجلباب الأبيض والعمامة الخضراء).
وعلى الرغم من الطابع الديني الذي ميز شخصية مسعود في الرواية وكراماته فإنه في الجنس كان كغيره من البشر، مارس الجنس مع أربع نساء تزوجهن على سنة الله ورسوله، مما يبين أن مسعود كان متعدد الشركاء جنسيا، وهي نفس الخاصية التي ميزت شخصية بوشعيب لكن بشكل (مدنس) فقد مارس بوشعيب الجنس مع عدة نساء من مختلف الجنسيات، في المغرب وفرنسا دون أن تربطه بواحدة منهن أية علاقة (شرعية) ومن إولئك النسوة وتم التركيز على أربع شريكات لكل واحدة تجربة خاصة.
يستنتج إذن من خلال رواية (العفاريث) لإبراهيم الحجري أنها كتبت بهدف سياسي من أجل إثارة انتباه المسؤولين للتهميش الذي طال الزاوية، ودعوتهم للحفاظ على تراث هام من الذاكرة الجمعية للمغاربة ولمنطقة معينة كانت إلى عهد قريب منارا دينيا ومكانا لكرامات ومعجزات، محجا للتطهر ورمزا للطهارة والنسك والزهد في الحياة، ومقصدا للعلماء والعارفين والمتطوعين … فأصبحت اليوم، بعد التحول الخطير الذي أصاب زاوية سيدي مسعود موطنا للفساد والرذيلة، تجتمع فيه كل مظاهر الفقر، الجهل، الشعوذة، الاستغـلال.
وغدت ملجأ للمتشردين والحمقى والمعتوهين والمتسكعين، نهبا لعصابات تستغل الدين لتبيع الوهم لمرضى نفسانيين. وللتحسيس بخطورة الوضع اضطر المؤلف للعزف على وتري الدين والجنس وهو العارف بأهمية وخطورة الوترين مقارنا بين الماضي (ماضي الكرامات، التقوى، الوضوح والإخلاص) والحاضر (حاضر النفاق، الشعوذة، واستغلال المقهورين) وغض السلطات الطرف عما يجري لغرض في نفس يعقوب مما جعل من النص نصا يتقاطعه الأسطوري الخرافي بالواقعي التاريخي، وتطبعه نوستالجيا إلى الماضي واستهجان للحاضر الذي وإن تنوعت مظاهر الدجل فيه، تبقى غريزتي إشباع البطن والفرج المحرك الأساس لإنسان هذا العصر خاصة الأمي الفقير منه .. وعندما تشتد الحاجة وتشتعل الرغبة مع قلة ذات اليد تكون الظروف مهيأة لدخول الشعوذة والدجل.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة