الأخبار العاجلة

من الأدب الأوردي المعاصر

تقديم وترجمة
د.هند عبد الحليم محفوظ*

مسعود مفتي من ألمع أدباء باكستان في الوقت الراهن، وما زال عطاؤه مستمرّاً حتى اليوم، لتعدُّد إسهاماته الإبداعية، وتشعُّب آثاره الأدبية، فقد كتب القصة، والرواية، والمسرحية، والريبورتاج، واليوميات، والأدب الساخر، وله إسهامات في الرسم الكاريكاتوري.
ولد في العاشر من يونيه عام 1934م، واسمه الحقيقي مسعود الرحمن، لكنه اشتهر في عالم الأدب باسم مسعود مفتي. دخل مسعود مفتي السجن خلال الفترة من عام (1971 – 1974م) بسبب منصبه السياسي، حيث كان يشغل منصب السكرتير العام لباكستان الشرقية، وتَمَّ اعتقاله كأسير حرب، ثم أُفرج عنه عام 1974م، وعاد إلى باكستان في الفترة التي كان يتولّى فيها بوتو رئاسة الوزراء، وقد تَمَّ تعيينه نائباً لحاكم المراكز التي تبدأ بحرف (ل)، وهي: لاركانه- لورالائي- لاهور- لايلـبور.
حصل على عدّة جوائزة منها: وسام القائد الاعظم\ 1968م، جائزة (6 سبتمبر الأدبية)\ 1969م، عن مجموعته القصصية (عرق الحجر)، جائزة (آدم جي الأدبية)\ 1974م، عن ريبورتاج وجوه، جائزة ?WHO IS WHO(مَنْ هذا؟) العالمية للكتّاب والمبدعين\ 1982م.
ومسعود مفتي ذو فكر شرقي، ونزعة إنسانية في آن واحد، تتقاطع في أدبه كل الاتّجاهات الأدبية الكلاسيكية والرومانسية، وهو من المؤمنين بنظرية الفنّ للحياة، حيث يؤكِّد ارتباط الأدب بالواقع، إذ لا يوجد انفصال بين ذات المبدع وموضوع القضية التي يتناولها. وقد كتب في العديد من الأجناس الأدبية من مسرح، رواية، قصة، وتقارير، ويوميات، بالإضافة إلى فن الكاريكاتير، كما كتب أدباً ساخراً في بداية حياته.
صدرت أعماله المسرحية الكاملة تحت عنوان (المثلث)، وهي تضمّ أربع مسرحيات. إنجاز مسعود مفتي في حقل الرواية محدود جدّاً، حيث لم تنشر له سوى رواية يتيمة بعنوان (لِعَب) وهي رواية تعكس تفاصيل الصراع بين الخير والشر في المجتمعات التي تئنّ تحت ضغط المعاناة، وقد عُرِضت هذه الرواية على شاشة التليفزيون، بعنوان (جنون)، لكنه صاحب إنتاج غزير في القصة القصيرة، ومن أبرزها المجموعات التالية: (عدسة محدَّبة، عرق الحجر، حُطام، عيد الميلاد وتوبة).

فصل من (انتظـــــار)
مسعود مفتي
كان يسود الجوَّ هدوء مشوب بالقلق، مثل سكوت الماء الراكد، وكان ضوء الشمس يتسلَّل متهادياً من الأسقف والفواصل التي بين الجدران، كما كان ظلّ الظهيرة يتقدَّم بخطوات وئيدة. وسط هذا السكون المطبق كانت (الله وسائي) تطوي سجّادة الصلاة، ونفسها تتأرجح بين اليأس والسكون، لقد ظلت تسبِّح الله ساعة ونصف الساعة، بعد صلاة الظهر، حيث كانت شفتاها لا تزالان تتمتمان بالدعاء حتى الآن، وعيناها مغرورقتان بالدموع.

كان فناء المنزل المحاط بالطوب مُتَّسعاً للغاية، وكانت الجدران مغطّاة بطبقة من الطين، وكان البيت نظيفاً. وبالرغم من كل هذا كانت تخيِّم على المنزل حالة من الحزن الغامض، والتي لم يكن سببها شدّة حرارة الظهيرة، بل الحكم بالإعدام على زوج (الله وسائي) منذ عدة أيام، وخاصّة بعد تحديد ميعاد لتنفيذ الحكم.
كانت تُكثِر من العبادة بشكل كبير في البيت منذ عدّة أشهر، وقد تغيَّرَ حال هذا المنزل بعد القبض على (كرم دين) :النذر، الصدقات، وقراءة الأوراد، وختم القرآن الكريم، الاحتفال بالمولد النبوي، إرسال الطعام إلى أضرحة الأولياء، كل هذه الطقوس بدأت بعد اعتقال (كرم دين)، وقد استمرّت في أثناء النظر في القضية. والآن بعد إعلان الحكم زاد الاجتهاد في العبادة، فكانت تؤدّي الصلوات في أوقاتها، وتسجد للدعاء له عقب كل صلاة، وكان الأطفال يشاهدون ظهرها ينتفض فيدركون أنها تبكي، أما (بابا جلال) (حموها) فكان يدندن بمدح الرسول (ص)، علاوة على أداء الصلوات، كما كان يرتِّل آيات من القرآن الكريم صباحاً، وطبقاً لنصيحة بعض الناس كان يقطع مسافة طويلة في طريقه إلى الأولياء للحصول على بعض التعاويذ، كما كان يعلِّم حفيديه الصلاة، وكانت حفيدته في الرابعة من عمرها عندما تشاهد أمّها رافعة يديها بالدعاء، تذهب إليها وتسألها: «أمي ! هل دعاؤك من أجل والدي؟» وبدون أن تنتظر الجواب من أمها، كانت تدخل في الصلاة معها بدون وضوء، وتلتصق بأمّها وترفع يديها الصغيرتين بالدعاء، وتحاول بصعوبة شديدة العثور على مكان على سجّادة الصلاة، ولا يدري أحد ماذا تقول في صلاتها، ترفع وجهها البريء وتحدِّق في وجه أمها، وبمجرَّد أن تفرغ الأمّ من دعائها، كانت الطفلة -وبدون أن تقول «آمين»- تفرك بيديها وجهها بقوّة حتى تنتفخ عيناها، ويتقلّص أنفها. كانت (الله وسائي) تمارس طقوساً أخرى بالإضافة إلى الصلاة، كانت جاراتها يخبرنها بها يومياً.
وبعد أن انتهت (الله وسائي) من صلاتها، ها هي تستعدّ لتنظيف إناء اللبن كي تذهب لحلب الجاموسة بعد قليل، عندئذ دخل (بابا جلال) إلى المنزل: كان كهلاً نحيفاً في الخامسة والخمسين من عمره، وقد ظهرت عليه علامات الإرهاق من شدّة الحرارة وإرهاق السفر، فقد خرج منذ الصباح لمقابلة المحامي في المدينة، الذي قام برفع دعوى استئناف ضدّ عقوبة (كرم دين) أمام المحكمة العليا، كان (بابا جلال) قد وَكَّل أكبر المحامين، وأكثرهم شهرة في المدينة، من أجل ابنه الوحيد.
عندما لمحت (الله وسائي) وجه حميها اضطرب قلبها، حيث ظهرت التجاعيد على وجهه، وقَطَّب حاجبيه، وانطفأ بريق عينيه، وانحدرت عمامته، وتجمّعت بعض القشور على شفتيه. وقد وضع يده على ظهره بعد أن عَبَر عتبة المنزل. كانت ترغب في أن تعرف كل شيء مَرّة واحدة، لكن شهور القلق علَّمتها أن معرفة الأخبار الحزينة ببطء تساعد على تحمّلها، بالإضافة إلى ذلك فقد رَقّ قلبها عندما نظرت إلى وجه (بابا جلال) فبدلاً من أن تستفسر منه عن الأخبار منحته فرصة للراحة، لذلك تركت الإناء بسرعة في أحد الجوانب، ثم نفضت الغبار من فوق السرير، ونظرت إلى الشيشة التي كانت لا تزال ساخنة، فحملتها ووضعتها أمامه، ثم أعَدَّت كوباً من اللبن الرايب، وناولته لـ(بابا جلال) الذي قام بنزع الشال من حول عنقه، وجلس على السرير، ثم نزع الحذاء، ونفض الغبار حول قدميه.
– بابا، لقد رجعت بسرعة، ألم تقابل المحامي اليوم؟!

* أستاذ اللغة الأوردية – كلّيّة الدراسات الإنسانية، جامعة الأزهر

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة