ما الذي نريده من القضاء العراقي؟

سلام مكي *

السياسة تديرها الاتفاقيات والمعاهدات وشيء من الدستور وقليل من القانون، ومصالح احزاب ونفوذ اشخاص والاخلاق والخير والشر، وكل قاعدة يمكنها ان تدخل ضمن حيز السياسة، في حين القضاء لا يحكمه سوى القانون. القانون هو السيد الاول والاخير للقضاء ولا يمكن ان ينازع ميدان آخر سلطان القانون على ملكه أي القضاء. وهذا يعني ان مشكلات القضاء اقل بكثير من مشكلات السياسة، على اعتبار ان المرجع الواحد خير من تعدد المراجع. في العراق، لا وجود لهذه القاعدة، فالقضاء اصبح يعاني من المشكلات نفسها التي تعاني منها السياسة، وابسط دليل هو وضع المتظاهرين صورة رئيس السلطة القضائية ضمن صور السياسيين الذين لم يعد مرغوبا بهم من قبل الشعب، وهذا يعني صراحة وضمناً ان القانون لم يعد ملكاً على سلطانه. الاف المتظاهرين خرجوا مؤخراً للمطالبة بإقالة رئيس السلطة القضائية متصورين ان اقالته احد اسباب الاصلاح الحقيقي والخروج من نفق الفساد والارهاب. والسؤال هو: هل الاصلاح يتعلق بالأشخاص أم بالنهج والطريقة؟ هل يتصور متظاهرو بابل مثلا ان مشكلة محافظتهم تتعلق بشخص المحافظ مثلا؟ أي اذا خرج سيأتي شخص أكثر كفاءة منه في ظل بقاء الاسباب التي جاءت بالمحافظ ومن سبقه؟ كذلك الامر بالنسبة لرئيس مجلس القضاء الاعلى، هو جاء في ظروف معينة، وهذه الظروف لم تتغير الى اليوم، فإذا خرج: هل سيأتي شخص أكثر نزاهة واخلاصاً منه؟ السلطة القضائية ملزمة اليوم بالإجابة عن كثير من الاسئلة التي يثيرها الشارع، اسئلة تقلق استقلاله وتعرض ثقة المواطن به الى الخطر، ولو حدث ان فقد المواطن الثقة بالقضاء ولجأ الى بدائل أخرى فهذا يعني اننا لا نعيش في مجتمع انساني متحضر! فلو اخذنا مثلا المؤتمر الصحفي الذي عقده مؤخراً احد اعضاء اللجنة المالية في البرلمان الذي اتهم اشخاصا بالأسماء في السلطة القضائية، بأنهم متورطون بقضايا فساد اعتماداً على مناصبهم في المحاكم، كما قال انه سلم القضاء مئات الملفات التي تتعلق بقضايا الفساد من دون ان يسمع ان هناك اجراءات اتخذت بحق المتهمين. بالمقابل، لم نسمع ان مجلس القضاء خرج الى الشارع ليدفع التهم عنه، فلم يرد على تصريحات هذا النائب. فلم يقل انها صحيحة ولم يقل انها خطأ، وهذا اكبر خرق للقانون يمكن ان تقوم به السلطة التي تطبق القانون، اذ ان اتهام شخص امام وسائل الاعلام يعد جريمة اذا كان غير صحيح، واذا كان صحيحاً فيجب اتخاذ الاجراءات القانونية بحق المتهم، وللأسف لم يحصل هذا ولا ذاك، ما عدا نقل الدعاوى التي تقع ضمن اختصاص محكمة القاضي المتهم بالفساد الى محكمة أخرى! ولا ندري ما هو السبب في نقل تلك الدعاوى الى خارج اختصاص المحاكم التي منحها القانون حق النظر بالدعاوى التي تقع ضمن الرقعة الجغرافية. هذه الاتهامات بحق القاضي لم نجد لها أثراً ضمن الاصلاحات التي اعلنت عنها السلطة القضائية مؤخراً، لكننا وجدنا، من ضمن الاصلاحات: انهاء خدمات قاض يحمل الجنسية الهولندية! ولما جئنا الى اسباب انهاء خدماته لوجدناها تتعلق بخرق للقانون في اثناء كشف للمحكمة في احد الاقضية التابعة لمحافظة من الفرات الاوسط، نقل اليها هذا القاضي بعد ان كان يعمل داخل اهم تشكيلات القضاء! فالقاضي لم يقم باتخاذ الاجراء المناسب عندما ترأس لجنة للكشف وحصلت في اثناء الكشف بعض التصرفات المرفوضة، فلم يتخذ القاضي الاجراء المناسب بشأنها، ولم يشعر محكمة التحقيق برغم ان القاضي نفسه هو قاضٍ التحقيق في تلك المحكمة! وهذا ما يخل بهيبة القضاء ويدل على الافتقار للحكمة في مواجهة المواقف! هذه احد الاسباب التي دعت مجلس القضاء الى انهاء خدمات هذا القاضي، في حين نجد الكثير من الاسماء المنتمية الى مجلس القضاء خصوصاً في اللائحة التي اعلنت في صفحة النائب احمد الجلبي التي تضمن عدداً من اعضاء مجلس القضاء الاعلى متهمون بالفساد وتلقي الرشاوى مقابل اسقاط وعرقلة التهم بحق بعض المصارف والاشخاص. هذه الاسئلة على مجلس القضاء الاعلى الاجابة عنها والخروج الى الشارع لتنويره بما يقال ضد القضاء، بدلا من اللجوء الى وسائل مثل انشاء حسابات بأسماء وهمية تخون كل من ينتقد القضاء وتدعو بأن ينعقد لسان كل من يتكلم بالسوء عن رئيسه. بالمقابل، نجد الذين يعدون انفسهم معارضين لرئيس مجلس القضاء، لا يتورعون على اطلاق الالفاظ البذيئة و الخادشة للحياء ناهيك عن السب والشتم والسخرية بعيداً عن أي منطق قانوني او اخلاقي. فلم نجد الا نادراً اشخاصاً يعارضون القضاء او النهج الذي تسير عليه السلطة القضائية حاليا، باستعمال وسائل قانونية او باستخدام الحجج العقلية البعيدة عن السب والشتم واطلاق الاوصاف غير اللائقة بحق الاشخاص. ما نريده من القضاء العراقي هو اعادة الثقة الى الشارع وبعث رسائل اطمئنان الى الجمهور والاجابة عن الاسئلة التي يسألها المتظاهرون والناشطون بطرق قانونية. اما الصمت وتجاهل الآخر، فهو لا يسهم الا بتعقيد الامور وفقدان الثقة به وبرجاله.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة