الأخبار العاجلة

بطرنة الاعتدال

ارتفعت اسهم هذه المفردة (المعتدلون) في الآونة الأخيرة، وكما غيرها من المفردات سريعة الاستهلاك ستلتحق بالمصير الذي انتهت اليه بقية الاصطلاحات الدخيلة على المشهد الغرائبي الحالي. الاعتدال أو الوسطية، هي من الفضائل المجربة عند الشدائد بكل تأكيد، والتي يقول عنها ارسطو (الفضيلة وسط بين رذيلتين) لكن امتلاكها والقدرة على تحويلها الى منهج وسلوك ليس بهذه الخفة واللامسؤولية التي ينسجها البعض في خربشاته. البعض ممن أدمن على اطلاق التحليلات والتهوعات المتعجرفة من برجه العاجي، لا يتجرأ على الالتفات لمصير مواقفه السابقة وتقديراته (المعتدلة) للاحداث والتطورات، وما تمخضت عنها من مستجدات كارثية على مصير سكان هذه المستوطنة المنحوسة. المشهد العراقي الراهن بكل تجليات بنيته التحتية وبنائه الفوقي وما ينضح عنهما من افرازات غرائبية وحفلات تنكرية، هو اليوم أبعد ما يكون عن مثل هذه الدعوات البطرانة للوسطية والاعتدال، والتي تحتاج الى مناخات وشروط تبخرت من مضاربنا منذ زمن بعيد. ما زالت آثار حوافر فزعاتهم “الاعتدالية” طرية في ذاكرتنا، لنصرة المطالب “العادلة” للمنصات التي اندلق من رحمها الملوث؛ المسخ الذي تمدد لأكثر من ثلث التضاريس العراقية (داعش). ذلك “الاعتدال” لم يراجع مواقفه الفنطازية السابقة وحسب بل تقمصته روح الرسالة الخالدة بـ (البقاء والتمدد) برغم أنف “المتشددين وقوافل الراديكاليين من شتى الرطانات والأزياء.
لم يمر وقت طويل على اسهالاتهم الاستراتيجية على الخط السريع والتضامن مع “المطالب المشروعة” وكرنفالات الولائم وايقاع الدفوف تلك، حتى عادت الأبواق بايقاع جديد وتراتيل جديدة لتكشف لنا عن مظلومية (مؤتمر الدوحة) وعن الفرصة التاريخية التي اهدرناها مرة اخرى، عندما لم نستمع لصوت الاعتدال القادم من فنادق الشقيقة قطر وحرصها على وحدة العراق وعروبته. هكذا ومن دون وجع من عقل أو ضمير، يدعون الضحية لفهم المطالب “المشروعة” للجلاد وواجهاته والتماس العذر لصلافته وعنجهيته التي ولجت في العامين الأخيرين الى أطوار يعجز عن سبر اعماقها أكثر المتخصصين شهرة في مجال النفس البشرية وطبقات اللاشعور. يكتبون عن المصالحة والتسوية التاريخية بين الخنادق والمكونات، ويعجزون في الوقت نفسه عن تقديم مثال واحد لبعثي أو جلاد اعتذر عن سيرته السابقة..؟! لا بل من يتابع تطور الأحداث في العامين الأخيرين يشاهد بوضوح حجم الجرأة والصلافة لواجهات الفلول في الكشف عن نواياها وغاياتها المريبة، والتي مهدت لها موجة العجاج الأخيرة والتطورات الدراماتيكية التي شهدها البلد مؤخراً. نحن لا ندعو للعنف والانتقام أو الثأر من اتباع النظام المباد كما يفعل غير القليل ممن منحته المصادفة التاريخية مقاليد الامور بعد التغيير ربيع عام 2003، بل الى استرداد القيم والثقافة التي بطشت بها أربعة عقود من هيمنة (المنحرفين) على مقاليد هذا الوطن المنكوب، قيم محورها العدالة في التعاطي مع كل هذا الارث الثقيل من الظلم والاجحاف، والتي من دونها (العدالة والانصاف) يصبح الحديث عن (الاعتدال) ابتكاراً آخر لعقول وأقلام أدمنت الثرثرة والبطبر رغم انف الكارثة المحدقة.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة