وماذا بعد؟

معتز رشدي

لا بد محدقةٌ كفُ الخرابِ به بيتٌ يقومُ على هذي الأساطينِ
«الجواهري»

حكمة جوال كبير، هو، في الآن ذاته، شاعر كبير، فقد نصحنا، ذات يوم، الشاعر الفرنسي هنري ميشو، بضرورة التعرف إلى موسيقى الشعوب في زياراتنا لها. فعلها هو نفسه كجوال قلق ومحترف في كل بلد سافر إليه من بلدان اميركا الجنوبية وآسيا، وخرج إلينا، منها، بهذه الحكمة الذهبية غير القابلة للدحض.تفسيري،لحكمة شاعرنا، المستخلصة من أسفاره، جاءت كالتالي: موسيقى شعب بعينه تعطينا، تصوراً لا لبس فيه، عن طريقة تفكير هذا الشعب من جهة، وعن طريقة تعاطي أفراده مع بعضهم بعضاً، كما عن طريقة تقديمهم لأنفسهم. تُرى! ما الذي يخرج به الزائر، اليومَ، لبلاد الرافدين؟ أية صورة قميئة، دنيئة، مخزية، شحمية، يقدمها مطربونا، لزائرنا الكريم؟ كروشهم، ولا ككروش مصارعي الساموراي، مع فارق لا ينبغي إغفال ذكره، ومؤداه: مصارع الساموراي لم يلوث، مدة عمره، أسماعنا، ببذاءات عواطفه الجياشة. أما (بزازيخنا)، من ذوي الأوزان الثقيلة، والأصوات المعوية الغليظة، و»اللغاليغ» السمينة، فقد دوخونا بأخبار حبيباتهم، وهن، بدورهن، لم يبخلن علينا بأفانين من تفاهات رقصهن الشرقي، وما الرقص الشرقي-من وجهة نظر شخصية طبعاً– سوى نوع أخر من أنواع (الستربتيز) المحتشم. كان شعبنا المنكوب- بساسته، اليومَ، ومثقفيه- قادراً، وحتى ثمانينيات قرننا المنصرم، على التعبير عن نفسه بشكل مهذبٍ، عذب، رقيق؛ مُحدثٍ ضمن حدود، ومتمسكٍ بموروثه- ايضاً- ضمن حدود، لا يتخطاها إلا الراسخون في عطائهم، من مبدعيه. دعوني أذكركم بأداء الفنان الكبير فاضل عواد: وقفته أمام الكاميرا، أناقته، حركات وجهه ويديه المحسوبة حساباً، دقيقاً، وفنياً أخاذاً، وفق ما تقتضيه سياقات اللحن في الأغنية. أأغنيات، كانت، أم سماوات ذهبية راعشة في القلوب؟ يحضرني، هنا، فاضل عواد، على سبيل المثال لا الحصر؛ فقائمة مغنينا العظام غنية بأسمائهم. لم تكتف طبقات الشحم الأسود بغزو حناجر مطربينا الأشاوس في غزواتهم الغرامية المقيئة، بل امتدت إلى شعراء الأغنية، الذين أثبتوا، وبما لا يقبل الشك، إنهم ليسوا أقل رداءةً. أتكون أغنيتنا قد ورثت جانباً من جوانب انحطاطها المدوي عن انحطاط تلفزيون الشباب لسيد شباب بلاد الرافدين في سنوات الصخب البعثي عدي صدام حسين!؟ إني لأجهل، إلى يومنا الأغبر هذا، السر الذي يدفع شاباً، في العشرين من عمره، دفعاً، لا هوادة فيه، إلى التلوي كأفعى هندية راقصة، وسط حشد من راقصات يافعات متميعات، برغم بلوغ وزنه وزن فيل في محمية خضراء! ألا يذكركم انعدام المنطق بين أوزان «بزازيخ» حاضرنا الزاهر من جهة، وبين ميوعتهم الشهيرة من جهة أخرى، بانعدامه بين تصريحات أو وعود مسئولينا، وبين حقيقة أفعالهم على أرض الواقع؟ بين نهاراتهم آكلين، شاربين، على مائدة الحكومة، وبين تقلبهم، ليلاً، سعداء، آمنين، على أسرة الإرهاب!؟ متى تكف بلادنا عن السير بالمقلوب!؟

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة