المرتكزات الاقتصادية للاستقرار السياسي

سؤال وجه لي في احد المؤتمرات.. فكان جوابي الذي اوجزه هنا هو: الجواب السريع والبسيط هو بقلب السؤال والبحث عن المرتكزات السياسية للاستقرار الاقتصادي.. لانه لن يكون في البلاد استقرار سياسي من دون ان يتحقق ثبات واستقرار اقتصادي، يمكن ان ينمي قدرات البلاد البشرية والاقتصادية. واسباب ذلك عديدة، اهمها:
1- العراق بلد نفطي.. والنفط بحد ذاته سلعة قلقة متذبذبة الاسعار تدور حولها الصراعات.. واسعار النفط معادلة عالمية لا علاقة للاقتصاد الوطني بها.. ينعكس ذلك، او يتولد منه، امور عديدة منها:
– الموازنة: فهي غير مستقرة بنحو دائم.. فاما انفجارية وخطط سريعة تدفع البلاد نحو الانفاق المسرف والتكاليف والاستهلاك العالي التي سرعان ما ستنهار مع اول هبوط للاسعار.. او بعجز كبير مما يغرقنا في المديونية والارتباك وكثرة القوانين والتعليمات المتناقضة، مما يسبب الفساد والترهل وغيرهما. – الاستبداد والديمقراطية: اما ان يكون العراق بلداً يحكم بالدكتاتورية والاستبداد ونتائجهما الانقلابات والثورات، او ان يكون بلداً ديمقراطياً يسعى لتوزيع الموارد والحقوق مما يسبب تدافعات ومنازعات، ستتسبب بفوضى –كما يحصل الان- عندما تكون الديمقراطية هشة، لم تترسخ لتبني تقاليدها واسسها.
– الصراع الاقليمي والدولي: فالعراق نقطة صراع دائمة.. اذ تسعى الدول العظمى لوضع يدها على واحد من اهم مصادر الطاقة العالمية، مما يجعل العراق ساحة حروب وصراعات.
2- نظام توزيع: الدولة والمجتمع يعتمدان بنحو شبه كلي على موارد النفط.. لذلك تحول النظام الى مجرد نظام توزيع لموارد النفط وليس نظام انتاج لقطاعات حقيقية كالزراعة والصناعة والخدمات، الخ.. ونظام التوزيع بذاته متصارع.. فكل يريد حصة اكبر. فالصراع على السلطة هو صراع على القوة الاساسية وشبه الوحيدة التي تمتلكها البلاد. فالنفط اقتصاد اقرب ما يكون للاقتصاد الخارجي.. القوى العاملة في القطاع النفطي لا تعادل اكثر من 1.8% من القوى العاملة في البلاد.. والنفط خامات تحت الارض.. تنقل بانابيب عبر البحار الى اسواق اجنبية حيث تباع على وفق معادلات بعيدة تماماً عن سيطرة البلاد.. لتأتي الاموال لاحقاً من فوق، فتوزع على وفق موازين القوى في البلاد. مما يزيد الصراعات ولا يوفر الثبات والاستقرار.
3- التشريعات: صُنف العراق تاريخياً كدولة هيدرولية/مائية تحتاج الى سلطة او دولة مركزية قوية، لتنظيم شؤون الري.. ولعل ذلك من اهم عوامل تطور الدولة المستبدة. فتطور العنف ليدخل في العادات الاجتماعية. ويلعب النفط -بشكله الحالي- هذا الدور.. فاصبح كل شيء ضعيفاً امام الدولة.. بما في ذلك المجتمع والشعب والقوى السياسية والمواطنين.. فهي قادرة على سحق كل شيء ولم يقف بوجهها في تاريخنا المعاصر سوى امرين.. القومية والمذهبية، (او الاثنية والطائفية عند غلوهما).
فتطورت التشريعات المتعسفة ذات الطابع المركزي والفوقي.. لتفشل امامها كل المطامح التحررية والادارة الحديثة والتنظيم، وعلاقة الدولة بمؤسساتها واطرافها وبالمواطنين.
4. تراجع نظام الحقوق والملكية بعد استيلاء الدولة على كل شيء تقريباً.. فاحتكرت الزراعة والصناعة والتجارة الخارجية والجزء الاهم من التجارة الداخلية وصولاً الى الثقافة والسياسة والحزب الواحد والرجل الواحد. فانخفضت مساهمة القطاع الاهلي في الناتج الوطني الاجمالي الى اقل من 30%.. وانهارت مساهمته في تكوين رأس المال الثابت الى رقم احادي، وبات لا يمثل سوى نصف القوى العاملة تقريباً.. بعدما كان يمثل 76% من الناتج الوطني الاجمالي و45.1% من تكوين رأس المال الثابت، و82.2% من العمالة الوطنية عام 1965.
لا طريق الا ان نجعل اموال النفط وسيلة لتطوير القطاعات الحقيقية والاقتصاد الاهلي.. فالاستبداد السياسي هو نتيجة للاحتكار والمركزية والاستبداد الاقتصادي. فنحن نحتاج لاعادة انطلاق الحياة الاقتصادية للمجتمع والمواطنين.. ولن يكون ذلك ممكناً، من دون اعادة منح الحقوق والملكيات للافراد والشركات والجماعات والهيئات والمناطق. عندها يعاد تجليس الهرم على قاعدته والذي يقف اليوم على رأسه.. عندها يتحقق الاستقرار والثبات السياسي والاقتصادي على حد سواء.
عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة