ضياع بعِلْم الدولة

يكتب النّوبليّ الألماني هرمان هسه، في روايته (لعبة الكريات الزجاجية) هذا الكلام: معشر لاعبي الكريات الزجاجية كآلهة أو رجال فوقانيين يعيشون في مرح دائم ولعب خالد ومتعة بكيانهم الخاص، ولا يصل إليه ضرّ أو حزن.
البلورات البشرية مكونات عراقية تنظر بخيبة أمل عريضة إلى معشر اللاعبين، ندماء الفساد الموالين أبدا للانحطاط، والعنجهية، والغطرسة. في عهد المماليك جرت العادة، انه حين ينشب نزاع بين فريقين منهم على الحكم تنتقل عدوى النزاع حالا إلى سكّان بغداد (علي الوردي/ اللمحات ج 1، ص 155 ). ولننظرْ نحن إلى مركب سكان بغداد هنا بالمعنى الواسع لكل السكان العراقيين الذين يحلو استعمالهم كأدوات ضغط بين المشاريع السياسية المتضاربة وكتل مناورة عند الحاجة. وبالتأكيد لا تورق الأزهار داخل الصاعقة.
وتأسيسا على ذلك يمكن القول: إن الشبه يتحقق بين ما عليه المماليك الذين حكموا العراق ثمانين سنة من العبث بمشاعر المكونات وبين ما عليه ديمقراطيّو عراق ما بعد صدام من ملامح ومواصفات مماليكية لها أن تبرز على أكثر من صعيد. إن هذا التماثل، يتحكم بطموحات الخارجين من ضغط الرعب والاستلاب وتكسير البوصلات مدة ربع قرن لا يُنسى من الدكتاتورية وما زالت آثاره تنشب في لحم الرطل البشري العام وهو بين حوافر المحاصصة.
وهذا ما يجعل عربة الديمقراطية تسير بنا إلى رحابة موهومة، ولا يهدأ لها بال إلا إذا استقرت على معمار مُتناشز يستمد فصاميته من شحنات مشوهة محمولة على ما يمكن تسميته بيسر (ديمقراطية المماليك) تكرس منذ 2003 إلى الآفاق المسدودة، وتؤسس لتهدّمات تجعل الوعي العام أمام مرحلة مفتوحة من الإرهاق.
وعلى حسّ الطبل خفّت المكونات. سواء بالحروب الطويلة أم بالانفجارات العظمى، أم بالهجرات الغزيرة؛ فقد وجدت نفسها في نهاية كل نزاع وتناطح أكبر منها انها بلا فم واضح تعبر به عن حاجتها الماسة أو لما هي عليه الآن من بؤس فهي محطمة الآمال بعد أن استخدمها ويستخدمها الخطاب السياسي البدوي كـكتل مناورة لا أكثر في كل موسم وباء. وما يعمق من واقع أو وقائع السوء هو التغنّي الأعمى بقيامة الفيدراليات في ضوء راهن مليء بالتعقيد والفنطازيا.
النوبليّ اللاتيني غابرييل غارسيا ماركيز في رواية (الجنرال في متاهته) يطلق هذه القهقهة على لسان المارشال سوكرة الذي يقول: إنها إحدى سخريات القدر؛ يبدو أننا غرسنا فكرة الاستقلال عميقا جدا حتى أصبحت هذه الشعوب تسعى اليوم للاستقلال عن بعضها بعضا.
ميثم الحربي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة