الأخبار العاجلة

سبحان الذي جمعهم..

احدى أكثر الاشياء فتكاً بمصائر عيال الله، هي الاجابات والقناعات السريعة والمتقمصة ثوب البديهيات، خاصة مع وضع كالذي يعيشه هذا الوطن المنكوب بكل انواع القوارض والثول العضال. ما لفت نظري في الاسابيع الأخيرة هو تركيز فرسان الاحتجاجات على شخص السيد مدحت المحمود رئيس مجلس القضاء الاعلى بوصفه العدو الاول لمشروع ثوار ساحة التحرير والمنصات الاخرى. وعلى نفس المنوال الذي سارت عليه اللجنة النيابية بخصوص فاجعة سقوط الموصل بيد الفلول وعصابات داعش، والذي وضعت فيه السيد نوري المالكي كمتهم أول، لكونه المسؤول الاول في السلطة التنفيذية، كما أشار بذلك جهابذة اللجنة، يستهدف فرسان الاحتجاجات السيد المحمود كونه القاضي الاول في السلطة القضائية. هكذا بلا وجع من رأس أو ضمير.
بالنسبة لي شخصياً، كتبت وعلى مدى السنوات العشر الأخيرة، عشرات المقالات حول هشاشة القضاء وزيف استقلاله، وذلك استناداً الى ما عاشه العراق طوال أكثر من نصف قرن من الخيبات والهزائم على مختلف الجبهات المادية والمعنوية، والقضاء لا يمكن ان يكون بمنأئ عن عصف ذلك السيل من الانحدار والانحطاط. هذه المعطيات والتي يحاول البعض ان يزاود علينا فيها في مثل هذا الظرف العسير الذي نمر به جميعاً، يراد منه غايات اخرى لا تمت بصله لما رائج اليوم من أمنيات طيبة وساذجة حول الحريات والاصلاح وغير ذلك من المفردات التي حظت باهتمام غير مسبوق من منصات البغدادية والشرقية وما تجحفل معها من منابر عروبية واسلاموية.
لقد تحول البعض من دعاة المدنية والحريات؛ الى ما يشبه حصان طروادة للقوى والواجهات المتربصة بالتجربة الفتية، وبسبب من لا مسؤولية ممثليه، الذين لم يعرف عنهم أدنى موقف نقدي تجاه تجاربهم (افرادا وجماعات) تسللت خطابات هذه الفضائيات والواجهات الى الاحتجاجات الأخيرة. لقد وصلت صلافة البعض الى الحد الذي عد هذه التظاهرات بوصفها أمتداد لما أرسته منصات (الذل والمهانة) من روح وتقاليد مهدت للفتح الداعشي المبين.
غرائبية المشهد الراهن، وحجم اللبس والغموض والعتمة والفوضى فيه، لا تدعونا لمثل هذه الهرولات البلهاء، بل هي تدعونا للاعتصام بما تبقى لدينا من حيطة وحذر، كي لا نهدي انفسنا والأجيال المقبلة سلالات معادة من الكوابيس. ما زال لدينا غير القليل من الامكانات والاستعدادات غير الملوثة، وما تضحيات المتطوعين لمواجهة الوباء الداعشي في جبهات القتال من دون مقابل، سوى الكرامة وحق الحياة الحرة، الا دليل على الاحتياطات الطيبة التي نملكها من أجل معارك الحرية والبناء والايثار المقبلة. لكن كل ذلك يحتاج الى الوعي العميق والتشخيص الدقيق للتحديات الواقعية والأوليات بعيداً عن هذيانات المغامرين والمعطوبين..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة