الرفاعي انسان يحقق انسانيته

تربطني بعبد الجبار الرفاعي علاقات شخصية وفكرية عميقة وطويلة، فوجدتني اسبح مع كلماته بابعادها الفلسفية والعرفانية، التي ان حق لي ترجمتها لقلت معه: اذا سقط البعد الاخلاقي والروحي فان الوطن والمواطن ونحن سنسقط جميعاً.. الرفاعي مؤسسة في رجل.. يكتشف ذاته بجهد جهيد، وعمل مثابر دؤوب، ونفس صقلها بالتهذيب ترتفع مع المتسامين وفيضها اللامتناهي، وترفض الهبوط مع الساقطين والتسقيطيين وفتاتهم الهزيل.. فسار في طريق الفوز الابدي.. فالانسان ينتصر لانسانيته ان انتصر على نفسه.. وستنتصر انسانيته على الدنيا، وما فيها، ان انتصرت تقواه على فجوره. نجح استاذاً في الحوزة وفي الاكاديميات وفي التأليف والمحاضرات.. يعمل ليلاً نهاراً.. ويجول البلدان.. ويلتقي كل الطبقات والتيارات.. ينهل من منهج علي (ع)، وابن عربي، وصدر المتألهين، وجلال الدين الرومي والكثير غيرهم.. وهذا مقطع من كلام الرفاعي في مناجاة له مع الاصدقاء.
«انا اصغي لصوت عميق صباح كل يوم وهو يلح علي: ان الحياة قصيرة جداً، الموت مباغت، سيداهمني في اية لحظة، لكن لا يبقى في ضمير الايام الا المنجز الحقيقي، والموقف الشهم، وعلاقات الثقة الصادقة.. أنت تدري صدر لي حتى اليوم 65 مجلداً في 42 عنواناً لكتاب، مع المجلة الفصلية (قضايا اسلامية معاصرة) التي مضى عليها عشرون عاماً. وكرمّها المعهد البابوي في الفاتيكان بروما، باصدار كتابه السنوي عام 2012 لمختارات من نصوصها بالايطالية والانجليزية والفرنسية، بوصفها المجلة الاولى في الدراسات الدينية بالعربية في ربع القرن الاخير.. مع كل ذلك انا صامت، لا تجدني في تلفزيون او راديو او منبر، والقليل الذي انشره في الصحافة محوره مشاغلي الفكرية.. تعلمت انه: لا معلم للاخلاق كالصمت، فالصمت لغة حيث تفشل اللغة.. لا معلم للاخلاق كالاصغاء لصوت الضمير.. تنضب الاخلاق لحظة تكون حياة معلمي الاخلاق خارج الاخلاق.. تجربة حياتي تُختصر في ان السلام الروحي الذي اعيشه انما تحقق لحظة اصبحت حياتي صوت غفران، يتحدث الى ضوضاء عالم يضج بكل هذا القبح والعداء والتعصب والدم المسفوح.. قلبي يلغي كل غل وحقد، كي لا يتسمم فيموت.. اخلاقي يغذيهاعلى الدوام العفو والعبور والتغافل، وتكرسها مداواة الاساءة بالاحسان.. احرص باستمرار على تطهير ضميري مما يلوثه من تعصبات وكراهية وعدوان.. اعيش سلاماً روحياً، لم اظفر به الا بمشقة بالغة.. ومراجعة نقدية قاسية لتجاربي ومواقفي وافكاري، اعانتني على تدريبي لذاتي على: الاعتراف بعجزي، والبوح بضعفي البشري، والجهر بفضح اخطائي، والاعلان عن تناقضات ومفارقات سلوكي.. ان ما سهل علي هذا العبور الشاق، هو اكتشافي ان الحياة مليئة بالشر، وان الاجتماع البشري حلبة تدافع وصراع، لا يكف البشر فيها عن توظيف شتى الوسائل بغية بلوغ اهدافهم، وغالباً ما يتلفع ذلك الصراع بغطاء يخفي كل فظاعاته، وتختبىء –بخبث- تحته كل الشناعات المتوحشة.. لقد وفرت علي مواقف الغدر والكيد والتآمر- من بعض من كنت احسبهم اقرب الاصدقاء- الكثير من الجهود في اكتشاف النزعات العدوانية الغاطسة في النفس، كما نبهني علم النفس الحديث الى الدوافع المتضادة في النفس البشرية، وكيف تفضحها الهفوات وفلتات اللسان والنسيان.. كل ذلك وغيره هتك شيئاً من طبقات الاقنعة الزائفة التي كانت تحجب عني الصورة الحقيقية للانسان، ووفر لي القدرة على التعامل مع كل شخص بما يشبهه وينشده، لا بما يشبهني وأنشده، لا بمعنى النفاق في مواقفي او تغييب شخصيتي، وانما احتراماً لكرامته، وحذراً من انتهاك خصوصيته، لذلك لم احرص على ان يكون صديقي او تلميذي او ولدي، نسخة محاكية لي، كما حرصت على الدوام الا اكون نسخة لابائي ولمعلمي واصدقائي، تبقى دائماً مسافة لن تتلاشى بيني وبينهم: (هم هم، وآنا انا).. كل ذلك في اطار حياتي الروحية الاخلاقية، ومعايير القيم الالهية الرحمانية الانسانية، التي ادين بها.. (فانا اتفق مع الجميع واختلف مع الجميع، بمعنى ان شعار حياتي الابدي اسير مع الجميع وخطوتي وحدي).. نواميس الاخلاق الكونية علمتني: ان الكراهية لا تنتج في علاقتي بالاخر الا كراهية مضاعفة، تُمرض القلب، وتسمم الروح، وان الحب لا ينتج في علاقتي بالاخر الا حباً مضاعفاً، يشفي الروح، ويبهج القلب. تعلمت انه ليس بوسعي الاحتماء من الاغتراب –الذي يجتاح حياة كل انسان- والشعور بالامان، الا بالمحبة والايمان.. انا قلق على مصيرنا الروحي الاخلاقي، مذعور مما قد نهوي اليه. لنسقط في قاع تلك الهاوية السوداء، فندفن دنيانا وآخرتنا وديننا في مقبرة وطننا العراق. {ان في ذلك ذكرى لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد} سورة ق 37.. عبد الجبار الرفاعي. 2/9/2015»
عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة