ركوب الموجة

علي صابر محمد*

كثيرة هي الاحداث التي تحصل في العالم وتجلب انتباه وسائل الاعلام وتكون فيصلا في رسم المستقبل خاصة اذا كانت تمس صميم حياة الناس والأكثر منها أن تستغل هذه الاحداث من كل الاطراف التي ترى فيها مصلحة لها وتخدم أغراضها أو لأجندات معينة فالذي ليس بمقدوره خلق الاحداث او التحكم بها أو توجيهها بالأتجاه المطلوب يسعى لأستثمارها بما يخدم أهدافه سواء كانت مشروعة أوغير مشروعة وهذه ممارسة طبيعية في عالم السياسة ففي العراق العظيم ومنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ونتيجة الفقر والعوز والبؤس الذي عانى منها المجتمع والخلل الكبير في قرارات الحكومة والاستقطاب في الملكية وقسوة الاقطاع على الفلاحين والتوزيع غير العادل للثروات كانت مبررات خصبة بيد القوى الوطنية للتحرك نحو توظيف هذه المعطيات لتأليب الشارع على الحكومة من خلال التغلغل في صفوف الجماهير وحثها على المطالبة بحقوقها ، وبأدواتها البسيطة تمكنت من تعبئة الجماهير في مناسبات عدة والخروج في تظاهرات ضخمة ومستمرة أدت الى أسقاط الحكومة كما حصل في مواجهة حلف بغداد وغيرها وتمرست القوى الوطنية على التفاعل مع الجماهير والانسجام مع لغة الناس والشعور بمعاناتهم والعيش مع آلامهم، أما اليوم وبعد سيطرة الديكتاتورية على الحكم لثلاثة عقود عجاف والتي مارست فيها أبشع أنواع التعذيب والتقتيل بحق القوى الوطنية وسحق رموزها لم يعد بأمكان هذه القوى أن تستعيد عافيتها بسهولة فالخوف الذي أستحوذ على قلوب المواطنين وشراسة القوى الحاكمة الظلامية ولجوئها الى العنف وألغاء الآخر جعل الكثيرين يترددون في خوض مثل هذه التجربة والابتعاد قدر الامكان عن الانتماء والالتزام السياسي وتخلي الفرد عن مسؤوليته تجاه وطنه والانصراف نحو الاهداف الصغيرة والذاتية بل ان الذي حصل في العراق الجديد هو اسهام القوى السياسية المتنفذة في تمزيق النسيج الاجتماعي وتجذير الصراع الطائفي والقومي وزرع الكراهية بين الناس مما خلقت شرخاً كبيراً بين مكونات المجتمع العراقي وعلى مدى اثني عشر عاما من فقدان الامن والامان وانتشارالفوضى والعنف وغياب تام للقانون والعزف على وتر الطائفية المقيت كان من الصعوبة جمع الفرقاء والخصماء في مسيرة واحدة ، ولكن يبدو ان مأساة العراقيين ومعاناتهم والخوف من الغد الذي أمتلك قلوبهم يوحدهم من جديد والاحساس بالمظلومية والمتاهات التي تحيط بمستقبل البلاد كانت حافزا لنزع ثوب الخلافات بين المكونات وليس بين السياسيين لأن هؤلاء تقودهم مطامعهم وأن أختلفوا فالمغانم تجمعهم وليس مصلحة البلاد ، لذا فان الشارع لم يعد ملكا لأحد ولا يخضع لتأثيرات قوى سياسية معينة ، وما يحصل اليوم من رفض شعبي لممارسات الحكومات المتعاقبة للبلاد نتيجة تفشي الفساد الاداري والمالي وسرقة وهدر للمال العام وسوء ادارة الدولة وقيادة المجتمع الى الهاوية من قبل الطبقة السياسية الحاكمة جاء عفويا والصحوة الجماهيرية وتنامي روح التصدي للفاسدين جاءت بعد اليأس الذي اصاب الناس من أمكانية تعديل وضع البلد الآيل للأنهيار والنهوض من هذا المستنقع الذي قادوا المجتمع اليه وتربع الوجوه الفاشلة نفسها على قمة السلطة ومفاصل الجهاز الحكومي من دون تغيير برغم فقدان العراق لثلث أراضيه بيد داعش والمجازر التي شهدتها ساحات القتال والمدن المغتصبة بيد اعداء الحياة من الارهابيين كل هذا كان سبباً في هذا الهيجان الجماهيري ، وما ان تعالت أصوات الجماهير حتى أيدتها المرجعية الرشيدة ووقفت بجانب المتظاهرين مطالبين بأصلاح الحال وأتخاذ الاجراءات الكفيلة بتعديل بوصلة المسيرة نحو البناء الحقيقي وإعمار البلد بعد الخراب الذي حل به والخطر القادم بتقسيم البلاد وما يخلفه من حروب داخلية وأقتتال الاخوة ، ولكن المضحك في الامر أن القوى المتنفذة اليوم هي نفسها تؤيد الاصلاح وتقف خلف شعارات وطنية وتحاول النزول الى الشارع مع المتظاهرين دعماً للحراك الشعبي ومؤيدين لأجراءات رئيس مجلس الوزراء في خطواته للأصلاح في الوقت الذي يشغل ممثلو هذه القوى ليس معظم الوزارات الخدمية فحسب بل ومعظم مجالس الحكومات المحلية والبلدية وكذلك المحافظين ووصل عدوى الظاهرة الى القيادات الامنية ، أذن من هم الفاسدون اذا لم يكونوا هؤلاء ؟ وهذه القوى تتظاهر ضد من ؟ ومن سيقوم بالأصلاح ؟ أن ما نشهده هو خلط للأوراق وركوب للموجة ، والتفاف على مطالب الجماهير ومحاولة حرفها عن أهدافها النبيلة وجر التظاهرات الى مواقف حرجة تسمح بأجهاضها ، فاذا كانت هذه القوى جادة بموضوع الاصلاح فالأولى بها محاسبة وزرائها وممثليها في مراكز السلطة والمسؤولية أولا وأزاحتهم من المشهد وأحالة من تورط منهم بالفساد الى القضاء لينالوا جزاءهم العادل ولتكون رسالة صادقة للجماهير بجدية رغبتهم بالتغيير ثم الاستعانة بذوي الكفاءة والخبرة ووضعهم في المكان المناسب ، ان الخطوات التي أقدم عليها رئيس مجلس الوزراء جيدة وتدل على أحساسه بنبض الشارع وتنم عن دراية بمتطلبات الاصلاح وفيها رؤية أقتصادية سليمة في تقليص حجم الهدر في المال العام ورغبة في أثبات هيبة الدولة وفرض القانون ولكنها غير كافية في الوقت الحاضر فالتوازن والتوافقات داخل الحكومة والبرلمان الذي تخضع له اجراءات الاصلاح تجعلها ضعيفة وتأثيرها بطيئاً فالحاجة الى المزيد من الخطوات الجريئة التي تهز مقاعد الفاشلين في جهاز الدولة فهناك الكثير ممن يتقاضون رواتب عالية وبلا انتاج ودورهم يكاد يكون معدوماً في الحياة المهنية والسياسية ان لم يكن عائقاً وسلبياً ، ثم من الضروري اليوم ايقاف نزيف الصفقات والعمولات في المشاريع الحكومية غير المجدية من خلال الرقابة المستمرة ومحاسبة القائمين عليها باستمرار والضرب بيد من حديد على الفاسدين ليتعظ الآخرون وأسترجاع المبالغ المسروقة بعد فتح الملفات القديمة، وما نسمع به من إحالة ملفات الفساد الى القضاء من قبل هيئة النزاهة لم ير النور ولايطلع الناس على نهاياتها وما تؤول اليه الاحكام فالطريق ما زال طويلا وأستمرار المظاهرات يصبح واجباً وطنياً لكشف خبايا الامور وفضح المتورطين بمصائب البلد وضرورة مناصرة رئيس مجلس الوزراء في إجراءاته.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة