سيلفي التظاهرات

يستكثر البعض على الشباب المنتفضين ان يلتقطوا لأنفسهم صوراً توثّق انتفاضتهم المجيدة الحالية؛ واللحظات التاريخية التي يحاول بها الجيل الحالي ان يعتق نفسه من ربقة وسطوة مسببات الخراب والموت والفساد وهدران الكرامة.
لقد قرأت «لأديب» من الأجيال السابقة كان يكتب الروايات في حقبة صدام حسين رأياً في ملاحظة له من على صفحات التواصل الاجتماعي متحدثا عن التقاط شباب الانتفاضة صوراً لأنفسهم «سيلفي» ونشرها في وسائل التواصل الاجتماعي لاسيما الفيس بوك، يقول فيه «هو أمر ـ يقصد التقاط الصورـ يبعث على الخجل»، والمفارقة في الأمر ان هذا الاديب النحرير لم يشارك المحتجين تظاهراتهم منذ الاحتجاجات التي انطلقت منذ تموز الماضي.
وهنا نقول وببساطة، ان الجيل الحالي من الشبان العراقيين استغلوا بصورة ملفتة المنجزات العلمية في مجال تكنولوجيا الهواتف النقالة، التي لم تك متوفرة لأجيالنا ووفروا لأنفسهم فرصة التعامل العصري معها، والتفاخر بالأعمال الصائبة التي يمارسونها ومنها الاحتجاجات الشعبية؛ وطفقوا ينشرونها في الفيس بوك وعلى قول زميلي الروائي و الكاتب «نصيف فلك» في عموده «لا أسلاف للتظاهرة» انه «حتى لو تفرطت عناقيد الساخطين وتبدد وتلاشى الهتاف ولم يبقَ من سيول المتظاهرين سوى أطلال صرخة وأثر بصمة حب عملاق للبلاد .. ماذا نخسر لو حدث كل هذا ولماذا منزعجون من خروج الناس في الشوارع تطلب الكرامة؟.. ها هو العالم يتطلع إلينا ويبتسم لأننا لم نفقد آخر ذرة من الكرامة ولا نفخنا على آخر شعلة للحياة وزفرنا آخر نسمة حب، قولوا لي ماذا نخسر من هذا النبض الجديد؟».
ان الفخر الذي شعرت به وانتابني منذ اول تظاهرة خرجت فيها ضد رئيس الوزراء السابق في شباط عام 2011 بعد عشرات السنين من السكوت الجماهيري الا في تجارب معدودة قد عاودني الآن وانا اراجع «سيلفيات» صوري التي نشرتها ابان تلك الاحتجاجات والحقتها بالصور التي نشرتها عن الاحتجاجات الحالية، وهي تجربة جديرة بالخوض والتقاط الصور حتى لو!! وسأواصل المشاركة في التظاهرات كلما رأيت خطأ يستوجب رفع الصوت ضده.
فلماذا يحاول البعض واغلبهم من اجيالنا المتعبة و «المتثاقفون» الإساءة الى الهبة الشعبية والتقليل من أهميتها بالتنظير الاجوف عن الفكر اللامع والنقاء الاجتماعي والبيئي من وراء مكاتبهم والتحدث عن التخلف الملازم لنا، على قاعدة ان العراقي «متصيرله جاره»، متناسين ان الشعوب التي قامت بالثورات المعروفة في التاريخ لم تك متنورة ومثقفة على شاكلتهم، فلماذا يحاولون ان يفصلوا لها اثواباً على قياسهم المتنور!
رفعت الاحتجاجات رؤوسنا التي نكستها سني الخذلان التي عشناها في زمن النظام المباد الذي اسقط بوساطة القوات الاميركية، كما اعادت احياء روحنا التي كانت قاب قوسين او ادنى من السقوط في بحر تشاؤم وقنوط كامل لا شفاء منه؛ فجاء جيل الشباب ليعيد لنا ارواحنا ويلفت الانتباه الى عثراتنا، فليلتقطوا بعد ذلك الصور الشخصية لهم في التظاهرات حتى لمجرد التقاط الصور، فما الضرر في ذلك؟!
صادق الأزرقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة