الأخبار العاجلة

كيف بدأت حكاية المونتاج ؟

قيس الزبيدي

بنى إيزينشتين نظرية خاصة في المونتاج متعارضة جدلياً مع نظرية بودفكين.–قائمة على التصادم أكثر من قيامها على الترابط- ففي عدد من دراسات، بدأها في العشرينيات وامتدت طيلة حياته، توصل في عمله الفيلمي والنظري إلى عدد من المفاهيم الأساسية، بينما كان يشق طريقه بجهد نحو فهم مستمر لتكوين وطبيعة الوسيط السينمائي.
كتب ايزنشتين عن النقاش الدائم الذي كان يدور بينه وبين بودفكين: «أمامي ورقة قديمة مدونة فيها ملاحظة مليئة بالأسرار:»ذلك هو الأثر المادي لنقاش حار حول موضوعة المونتاج بيني وبين بودفكين. كان يزورني في فترات متقاربة في مساء متأخر. وكنا نتخاصم خلف أبواب مُغلقة حول مواضيع مبدئية، كما نفعل هنا أيضا. بودفكين اصله من مدرسة كوليشوف، ويدافع بحماسة عن مفهوم المونتاج كترتيب سلسلة من أجزاء (مقاطع) إلى سلسلة من أحجار بناء صغيرة»: أحجار بناء، تعرض الأفكار بشكل خطي(متتابع). من ناحيتي كنت أقابل مفهومه بمفهومي عن مونتاج التصادم. نقطة تنشأ فيها فكرة من صراع معطيين اثنين. أما ترتيب السلسلة، حسب مفهومي كمنهج، فهو حالة منفردة ممكنة».
تولد الصورة-الحركة غالبا من تحديد منظومة مغلقة ومن تحديد الحركة التي تقوم بين أجزاء المنظومة ومن تحديد الكل المتغير، الذي يعبر عن نفسه من خلال الحركة. كما أن هذا الجريان بين المستويات الثلاثة يحتوي ويجسد المستويات جميعها، بحيث تعيد الوحدة المنقسمة تشكيل وحدة جديدة ذات مستوى آخر: مقولة/مقولة مضادة= مقولة مركبة. ويصبح مفهوم اللقطة عند ايزنشتين بمنزلة خلية للمونتاج وليست عنصرا كما عند بودفكين، وتتضاعف حركة الواحد لتعيد تشكيل وحدة جديدة. ويحل مونتاج التصادم بالتالي محل المونتاج الخطي (الأفقي) وفقا للمبدأ الجدلي القائل بأن الواحد ينقسم ويشكل وحدة جديدة أرقى.
ظهرت مرحلة تعبيرية جديدة في السينما قادت الى «الميزان سين» كمفهوم نوعي جديد يتعارض بالدرجة الاولى مع مفهوم إبزنشتين للمونتاج، تبناه الفرنسي اندرية بازان. فبعكس الشكلانيين الروس الذين عدوا المونتاج قلب المشروع السينمائي وجد بازان الميزان سين جوهر الفيلم الواقعي. وعنى به تحديداً، عمق المجال البؤري (عمق الميدان) في تصوير ما عرف في وقت متأخر «اللقطة/المشهد»، لانه رأى أن الميزان سين على عكس المونتاج يسمح للمتفرج بأن يشارك أكثر في تجربة الفيلم. وبدأ له أن تطور عمق الميدان لن يكون مجرد أسلوب فيلمي آخر، بل «خطوة جدلية متقدمة في تاريخ لغة السينما». وينتج هذا ضمناً أمران معاً، وضع أكثر نشاطاً وعقلانية يقع على عاتق المتفرج واسهام أكثر إيجابية من قبله في الحدث الدائر، بحيث يستمد معنى الصورة من عناية ومشيئة المتفرج واهتمامه- بعيدا عن «القيادة النفسية»- فـــ» طالما أن لنا حرية الاختيار، فإن لنا حرية التفسير».
اعتمد جان – لوك غودار على نظرية بازان حول التقابل الحاد بين الميزان سين والمونتاج، اللتين حكمتا نظرية الفيلم لمدة طويلة، تركيباً جدلياً، تمت فيه خطوة جديدة في نظرية الفيلم، تطورت في سلسلة من المقالات في منتصف الخمسينيات وتم التعبير عنها جيداً في مقالة (المونتاج – همي الجميل) (دفاتر السينما – كانون الأول 1956)، بحيث أعاد النظر بهذه العلاقة ورأى في المونتاج والميزان سين وجهين مختلفين للنشاط نفسه السينمائي: «أن المونتاج هو فوق كل شيء جزء مكمّل للميزان سين، حيث يمكن فصلهما عن بعض فقط بكل مجازفة تماماً كما لو أن أحداً يحاول فصل الإيقاع عن اللحن. فما أن يسعى شخص ما إلى رؤيته في المكان، حتى يسعى آخر إلى رؤيته في الزمان». ووجد أكثر من ذلك، ان الميزان سين يتضمن المونتاج تلقائياً.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة