الأخبار العاجلة

جنة أبي العلاء

الكاتب المبدع عبد الكريم كاصد يطلق رؤية فكرية وفلسفية عبر كتابه الجديد “جنة ابي العلاء” ويغوص في أعماق الروح من خلال حوارية ابطالها رموز كونية تبعث للحياة من جديد.
“الصباح الجديد” تنشر فصول هذا الكتاب الشيق على حلقات
الحلقة الحادية عشر

عبد الكريم كاصد

وليس بغريب أيضا أن يأتي إعرابيّ تعرفه من ملامحه قد يكون شاعراً في العاجلة أو راوياً ويحييك بصيغة المثنى وأنت فرد فتقول له: يا فلان أنا وحدي فلم تحييني بصيغة المثنى، فلا تعلم أن ثمة قبائل تسيغ الخروج من مخاطبة الواحد إلى الاثنين، أو من مخاطبة الاثنين إلى الواحد، فتضحك وتشكره لأنه ضاعفك حسنة بجعلك اثنين.
ـ ولكنّك ذكرت ذلك في رسالتك (رسالة الملائكة ) واستشهدت عليه ببيت ظريف.
ـ لا أتذكره. ما هو هذا البيت؟
ـ أنه….

فإن تزجراني يا ابن عثمان أنزجرْ
وإن تدعاني أحمِ عرضاً ممنّعا

ـ ولا تعدم أن تجد شاعراً كمعروف الرصافي وهو أسيرُ وساوسه أن يكون محمّد قد اطلع على كتابه (الشخصية المحمّدية) فيكون سبباً في إخراجه من الجنة وإرجاعه إلى جهنم التي رأى من نيرانها مايرجف جسده حتى الآن، فتراه يهمس في إذن هذا وذاك : هل اطلع محمّد على كتابي؟ وقد ازداد خوفه واشتدت هواجسه، بعد أن أنس مجالسة الولدان، ومسامرات الخلاّن، وهو لا يستحق كلّ هذا العناء من الخوف والهواجس، لما لمسته فيه من سعة أفق ودقّة رأي، ولكنه سرعان ما يحترس ويتصنع اللامبلاة كلما أقبل عليه الزهاوي بمرحه المعهود.
ـ وما الذي يقوله الزهاوي الآن وهو صاحب البيتين الشهيرين:

لمّا جهلتَ من الطبيعة سرّها
وأقمت نفســـك في مقام معللِ

صوّرتَ ربّا تبتغي حلاّ به
للمشكلات فكان أعظم مشكلِ

ـ لا يقول شيئا لأنّ ما يشغله الآن شئ آخر غير أسئلته هذه. أما شوقي شاعركم الآخر الظريف فتراه يستقبل شهر رمضان، كعادته، متوجساً مذعوراً، وقد رأى طائفةً من المتصوفة وهم يتهيئون له، ويستقبلونه بالتباشير والتهنئة، بل وبالدفوف أحياناً: أفي هذه السنة صيام؟ فيطمئنه من حوله وبعضهم من الملائكة أن لا رمضان في الجنة، فتهدأ روحه وهويتناول قدحه الذهبيّ راشفاً ما تبقّى به من خمر الجنة.
ـ ليس غريباً هذا على شوقي وهو صاحب البيت الشهير:

رمضان ولّى هاتها ياساقي
مشتاقةً تسعى إلى مشتاقِ

ـ يشاع عن عمر بن الخطاب أيضاً أنه مازال مبتلىً بداء الغيرة، كما في العاجلة؟ أهذا يعني أنّ حديث النبيّ عنه والذي رواه البخاري في صحيحه فد صحّ؟
ـ وماهذا الحديث ؟
ـ يُروى أن النبيّ قال: “رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميضاء امرأة أبي طلحة وسمعت خشفة فقلت: من هذا فقال: هذا بلال. ورأيت قصراً بفنائه جارية فقلت: لمن هذا؟ فقال: لعمر فأردت أن أدخله فأنظرإليه فذكرتُ غيرتك. فقال عمر: بأبي وأمّي يا رسول الله أمنك أغار؟”.
أخشى وقد رويتَ لي ما رويتَ عن مغفرة الله الواسعة ألاّ تكون قد شملتْ الحجاج لاسيما أنّ أناساً هناك لا يأخذون عليه دينه، بل سياسته وبطشه الشديد.
ـ لم أره قطّ ولم اسمع أنّه في الجنة، ولا أعتقد أنه في مكانٍ ناءٍ فيها، ولو كان لوصلتني أخباره، أو لسمعت عمّن تذمر أو تظاهر مثلما تظاهروا عند قدوم ابن أبي ربيعة والقباني، وهما ممن لا يجمعهما جامعٌ بالحجاج أبداً لرقة طبعهما وعذوبة أشعارهما.
ـ وماشأن مادحه جرير؟
ـ في شجار دائم مع الفرزدق فكأنهما لم يغادرا العاجلة قطّ، ولكنهما حمداً للحظ لم يعودا يتهاجيان بالأشعار؟ ولم تعد خمرة الجنة بمسعفة للفرزدق على الصداع والتدويم ليرى كلاباً فيسلّم عليها أو يتخيل ذئباً ليصارعه، والذئب الذي يلقاه في الجنة مشغولٌ بشاتهِ، لا همّ له سوى الأكل وردّ التحية بأحسن منها لعابر الطريق..
ـ وهل صحيح أن هناك قوماً يقادون إلى الجنة في السلاسل؟
ـ ومن أين سمعت بهذا؟
ـ جاء في صحيح البخاريّ أنّ النبيّ قال:”عجب الله من قومٍ يدخلون الجنة في السلاسل”.
ـ ولماذا يدخلون في السلاسل؟ لم أر ذلك، ولم يحدثني عنه أحد. فما أكثر الأحاديث المنسوبة إلى النبيّ، وهو منها براء. ولو تحدث بها جميعاً لاحتاج إلى عشرات السنين، أين منها عمره القصير وطول تأمله، وصمته الذي عرف به، وتهجّده الليليّ: “قم الليل إلاّ قليلا”.
ـ وأين عشاق بني عذرة من كلّ هذا؟
ـ ينطبق عليهم قول الشاعر:

فلو كنت عذريّ العلاقة لم تبتْ
بطيناً وأنساك الهوى كثرة الأكلِ

لقد جعلتهم كثرة الأكل بطينين، متكئين على الأرائك، مسرفين في لهوهم، مثلما أسرفوا في وجدهم من قبل، وبدوا وكأن لم يكتبوا الشعر يوماً وقد نسوه.
ـ أهذا يعنى ألاّ شعر في الجنة؟
ـ على العكس لقد اصبح الشعر للجميع.
ـ يذكرني يا أبتِ هذا بشعار الخبز للجميع الذي تطرحه عندنا اليوم الحركات الثورية الشبيهة بثورتي القرامطة والزنج. كيف أصبح الشعر للجميع وليس هناك شعر غير ما ترويه الحوريات في الغناء؟.
ـ أجل .. هذا ما عنيتهُ ، لقد أصبحت الحوريات هنّ من يرددن الشعر في غنائهن التي ترتج له أرجاء الجنة أحيانا لعذوبته، ولكن أين ما يردّدن من هذا الكم الهائل من أشعار العرب؟ حين تقول لأحدهم: هل سمعت أشعارك؟ يقول: وهل هذه أشعاري؟ وحين يغنّين ما يردّدن من أشعار تصبح هذه الأشعار للجميع، لأنها لا تنتسب لأحد، ولا يتذكّرها أحد، وحتى لو تذكّرها فتذكّرهُ لا يعني أحداً.
ـ وحين تغنّي الحوريات ألا يجتمع أطفال الجنة حولهنّ؟
ـ لا، لأنهم يكونون في موضع آخر من الجنة .
ـ وهل في هذا الموضع أنهارُ خمر أيضاً؟
ـ لم يتحْ لي الذهاب هناك لأرى بعينيّ، وإن كنتُ لا أعتقد بوجود مثل هذه الأنهار، فما حاجة الأطفال لأنهار الخمر.
ـ وحتى أنهار اللبن، ألا يُخشى أن يغرق فيها الأطفال؟
ـ لم يطرأ هذا على بالي من قبل.
ـ وفي أنهار الجنة كنهر الكوثر المعروف لأهل الارض أثمة أسماك أيضاً؟
ـ بلا شكّ.
ـ وهل ينطق السمك كبقية الحيوان؟
ـ أجل، ولاسيما الجرّي أو الجرّيث.
ـ ولماذا الجرّي؟
ـ تعرف أن الجرّي هو الذي كلّم الناس الذين سألوا عليّاً بن أبي طالب هل يحلّ لهم أكله أم لا، فساقهم إلى نهرٍ بصق فيه، وتلا كلاماً ظهر على إثره الجرّي وقد مدّ رأسه وفتح فمه ناطقاً … إلخ هذه الرواية التي يتناقلها الشيعة والتي يضيفون إليها المعلومة التالية عادة وهي أن أسماك الجرّي تحيض.
ـ إذا كان الجرّي ناطقاً في العاجلة فما أحراه بالنطق في الآخرة. ومن لا ينطق في الجنة إذن؟
ـ قلت لك أنّ ثمة روحاً تحضر في كلّ شئ.
ـ في الأحاديث والكتب هناك الكثير مما يُروى عن الجنة لا يمكن تصديقه، وقد يكون باعثاً على الشك إلاّ بعض أحاديثَ رُويتْ عن النبيّ كالعرش المحمول على أكتاف ثمانية من الملائكة، ولكن ثمة مشاهد يرويها المتصوفة من الصعب تصديقُها وهي ربما من مخاريقهم . ووجودك الآن قد يحسم الكثير من الشكوك.
ـ مثل ماذا؟
ـ مثل المشهد الذي يرويه ابن عربي في الفتوحات المكية.
ـ أيّ مشهد تعني؟
ـ يروي ابن عربي أنه شهد النبيّ وقد اجتمع الرسل بين يديه وأحاطت به أمته. عن يمينه الصدّيق وعن يساره الفاروق، وبصحبتهما عثمان المشغول بشأنه، وعليّ الذي يقوم بدور المترجم لما يقوله الختم (عيسى بن مريم ) الواقف خلف محمّد. وهذا يعني أن عيسى ما زال يتكلم الآرامية أو العبرية في الجنة .
ـ وما الذي يترجمه عليّ؟
ـ الحديث التالي:
“فقال له السيّد (ويقصد محمّداً النبيّ): هذا عديلك وابنك وخليلك.
انصبْ له منبر الطرفاء بين يديّ.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة