الأخبار العاجلة

المتربصون خلف العجاج

لقد اشرنا في مقالات سابقة لخطورة تداول مفردات مثل (الثورة، الانتفاضة، و…) لوصف الاحتجاجات والتظاهرات الأخيرة التي شهدتها العاصمة بغداد وعدد من المدن العراقية. ومن المؤسف مشاهدة غير القليل من مدعي الثقافة والفكر وهم يصرون في خربشاتهم على الترويج لمثل هذه الاكاذيب والوعي الزائف لما يحدث من تداعيات خطيرة في المشهد السياسي الراهن. لقد برهنت الاحداث والمعطيات بعد أكثر من عقد على تجربة التغيير التي حصلت بمعونة الغوث العابر للمحيطات؛ الى اننا لا نفتقر لقيادات سياسية ومهنية جديرة بادارة دفة الصراع وبناء التجربة الجديدة وحسب بل ابتلينا باشباه المثقفين والاعلاميين ممن تورمت نرجسيتهم وتقديرهم لمواهبهم “الفذة” على حساب المصالح الحيوية لسكان وطن التجارب التاريخية (بستان قريش).
غير القليل من الشعارات يتم تداولها بكل سذاجة وبلاهة بشكلها العمومي المحبب والجميل، من دون الالتفات الى ملاذات الشيطان الحصينة “التفاصيل” لا الاطلاق وايقاع الأهازيج. لقد حذرنا مرارا وتكرارا من مثل هذه الفزعات (الدقلات) ومن عدم وجود الامكانات الواقعية لتحويل الامنيات الطيبة الى واقع، والى ضرورة اتخاذ الحيطة والحذر من تلك القوى المتربصة بمشحوفنا المشترك والذي اسعفته المصادفة التاريخية المحضة ربيع عام 2003. لكنها كما غيرها من الدعوات ضاعت وسط سيول كاسحة من الخطابات الاعلامية والتعبوية المدمرة، والتي تستند الى احتياطات هائلة من التمويل المحلي والعابر للحدود الوطنية.
ان التغيير الحقيقي لم يولد بعد، ومثل هذه الحقيقة لن تلحق الضرر باستعدادنا ومعنوياتنا في التمهيد للتحولات الفعلية، بل على العكس يحصننا من كل اشكال المغامرة والتهور الرائجة في المشهد الغرائبي الذي نعيشه اليوم. ان عملية خلط الاوراق وضخ المزيد من العجاج لعتمة الواقع السياسي والاقتصادي والعسكري الحالي، لن يشرب “صافيه” غير القوى الخفية والتي تجيد تقنية الانحناء امام العاصفة واطلاق المزيد من العجاج. لقد قدمت الطبقة السياسية الحالية من شتى الرطانات والازياء عبر سلوكها وممارساتها وشراهتها وديماغوجيتها، خدمة لا تقدر بثمن لما يعرف بـ (فلول) النظام المباد، والتي ازدادت جرأة وصلافة في العامين الأخيرين.
التغيير الحقيقي يبدأ عندما تولد الشروط والمناخات التي تصنع الضد النوعي لما عرف بـ (جمهورية الخوف) لا المستنقعات التي تخصب سلالات جديدة من ولايات وامارات الخوف. ومثل هذه الشروط والمستلزمات ما زالت بعيدة عن هذه المستوطنة القديمة والتي شهدت تضاريسها أحد أبشع التجارب السياسية والقيمية لمسخ من حاولت شرائع الارض والسماء تكريمه ذات عصر. أما التحولات الراديكالية الحالية وخاصة ما يتعلق بقرارات العبادي الأخيرة وما حظيت به من اجماع اسطوري للكتل وممثلي “المكونات” من الذين تلبستهم لعنة (الثورة) في الوقت الضائع، فلا علاقة لها بقاموس وادبيات المفردات والمفاهيم التي نقلت الامم لسن التكليف الحضاري، بل هي تعبير عن حجم الفزع الذي ألمّ بالمشاركين في الوليمة الازلية بعد الجفاف المفاجئ لضرع الرزق الريعي والصفير الذي تصاعد من خزائن بيت المال، وهذه مؤشرات الكارثة المحدقة لا الاصطلاحات المعبرة عن حيوية المجتمعات وابداعها؛ الثورة والانتفاضة .. والتي يستهلكها فرسان العنفوان الاخير من دون أدنى رحمة أو شفقة.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة