دور الكاتب في التغيير الاجتماعي.. أبتون سنكلير مؤلف رواية (الغاب) أنموذجاً

عادل العامل

عندما يكون الكاتب صادقاً في طرح قضيته، وذكياً في أسلوبه، وشجاعاً في التعبير عن رأيه، فإنه ولا بد ناجحٌ في إيصال صوته والتأثير بدرجةٍ ما على أصحاب الشأن في التعامل مع هذه القضية في الظرف المناسب لذلك. وإذا لم يحدث شيء من ذلك، فلا بد أن هناك خللاً في إحدى الحالات الآنفة الذكر.
ومن هنا يتميز بعض الكتّاب بتأثيرهم الفعلي على القارئ، وحركة المجتمع، وسياسة الدولة، إضافةً للمتعة، أو الفائدة اللغوية، أو الميزات الفنية التي تتّسم بها أساليبهم الأدبية.
ويعتمد هذا، بطبيعة الحال، على شعبية الكاتب، وموضوعات كتابته، وطبيعة المجتمع الذي يعيش فيه، ونوع نظام الحكم القائم في بلده.
نعرف جميعاً، وبوجهٍ خاص المتابعون منا للثقافة العالمية، على سبيل المثال، التأثير الفكري للكاتب والفيلسوف الفرنسي فولتير (1694-1778) على الناس في بلده وعلى الظروف المؤدية لقيام الثورة الفرنسية عام 1789.
وكان «مدافعًا صريحًا عن الإصلاح الاجتماعي على الرغم من وجود قوانين الرقابة الصارمة والعقوبات القاسية التي كان يتم تطبيقها على كل من يقوم بخرق هذه القوانين».
وتعرض بسبب ذلك للنفي إلى انكلترة مدة ثلاث سنوات. وكذلك الحال بالنسبة لأعمال الكاتب الروسي مكسيم غوركي الأدبية المتعلقة ببؤس حياة الكادحين اليومية التي مهّدت لثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917 في روسيا، وبالنسبة لوفاته الغامضة في عهد الطاغية ستالين. كما أننا نعرف أيضاً ما فعلته كتابات الروائي الانكليزي جورج أورويل (1903-1950) في إطار التحريض على الطغيان وأسباب البؤس والاستخفاف بحقوق الإنسان وكفاحه الدؤوب من أجل ذلك حتى تردّي أحواله الصحية وموته المبكر بمرض السل، ولماذا جُرِّد الكاتب الغواتيمالي ميغيل أستورياس عام 1954 من جواز سفره ومن مواطنته وأُرغم على الهرب إلى المنفى أيام التسلط الدكتاتوري المدعوم من الولايات المتحدة في بلاده، وماذا فعله الهمج من البعثيين بالكاتب الشيوعي الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)، ورفاقه، من تنكيل وحشي حاقد في انقلابهم المشؤوم عام 1963 في العراق، وكيف مات الشاعر التشيلي بابلو نيرودا في أعقاب انقلاب بينوشيت الدموي في تشيلي عام 1973.. إلى آخر قائمة الكتّاب المناضلين الذين أثّروا في الرأي العام في بلدانهم وأزعجوا الأنظمة المستبدة الفاسدة إلى درجة اضطرارها لتصفيتهم أو إجبارهم على الفرار إلى المنفى.
غير أن للكاتب الأميركي الإشتراكي النزعة أبتون سنكلير (1878-1968) قصة مشرّفة أخرى مختلفة. وهو الكاتب الذي اشتُهر بروايته الملحمية الموجعة (الغاب)، التي صوّر فيها فظائع وفضائح الاستغلال الرأسمالي للناس في الولايات المتحدة الأميركية، في شيكاغو بالتحديد، في أوائل القرن العشرين. وهي من واقع الحال التي كان يعيشها آنذاك، حيث كان يعمل مراسلاً للصحيفة الأسبوعية «نداء إلى العقل» التي كلفته بكتابة تحقيق عن أوضاع المسالخ ومعامل تعليب اللحوم، فتنكر في زي عامل لعدة أسابيع جمع في أثنائها مادة وثائقية شكلت النواة لروايته الخامسة (الغاب).
وقد كتبها، وكان يسكن في حجيرة من ألواح خشبية ثمانية بعشرة أقدام، مقامة على سفح تل شمالي برنستون في نيو جيرسي، خلال مدة لا تزيد على التسعة أشهر، حسبما يقول، وكان عمره 27 عاماً.
وقد كشف فيها سنكلير أوضاعاً في قطّاع تعبئة اللحوم أثارت موجةً من الغضب بين أوساط الشعب، ما دفع الإدارة الأميركية آنذاك إلى إقرار قانون الأطعمة والعقاقير النقية وقانون فحص اللحوم عام 1906، وفقاً للموسوعة الحرة.
وقد استماتت شركات اللحوم الاحتكارية للتغطية على فظائعها الإنتاجية في تعليب اللحوم، واستغلال العاملين فيها حتى الموت، ولتكذيب رواية الكاتب، ومحاربته، حتى اضطُر الرئيس الأميركي آنذاك تيودور روزفلت بعد اطلاعه على الرواية، إلى مقابلته، ومن ثم تشكيل لجنة تقصي حقائق مرتين، جاء في تقرير الثانية منهما أن رواية سنكلير لم تكن صحيحة فقط بل وأن هناك أوضاعاً أكثر فظاعة في هذا القطّاع. وقد سبق لروزفلت أن أدلى بشهادته أمام لجنة التحقيق في مجلس الشيوخ قائلاً إنه على استعداد لأن يأكل قبعته العتيقة ولا يأكل ذلك الطعام المعلَّب!
يقول سنكلير في روايته، واصفاً في أحد الفصول إحدى عمليات إعداد «اللحوم» للتعليب والتوزيع في الاسواق للبيع كطعام للناس، (وربما كان بعض ما تناولناه وما نتناوله اليوم من لحمٍ معلب في معامل الانتاج الرأسمالي الأجنبي، والمحلي أيضاً، شبيه بذلك): «أما القسم الذي عملت فيه أليزبيتا فهو القسم الذي يجيء إليه اللحم الفاسد بكامله، حيث تقطّعه هناك السكاكين ذات الألفي دورة في الدقيقة ثم يُمزج بنصف طن من لحم آخر بحيث لا يعود باستطاعة أية رائحة أن تُبقي على فارق بينهما …
وكثيراً ما تُعاد من أوروبا نقانق قديمة رُفضت لِما عليها من عفن وفطريات، فتُعالج بالبوراكس والغليسرين ثم تُغطس قي القواديس، ومن ثم تُعد للاستهلاك من جديد.
وقد تكون هذه لحوم سقطت على الأرض وتلوثت بالتراب والأوساخ كما داس عليها العمال وبصقوا عليها بملايين من جراثيم السل.
وقد تُخزن لحوم على شكل أكداس كبيرة في الغرف وتقطر عليها مياه ترشح من السقف وتتسابق عليها آلاف الجرذان.
وفي مخازن كهذه تصعب على المرء الرؤية بسبب الظلمة، إلا أنه يستطيع مد يده إلى هذه الأكياس والخروج بحفنة من البراز الجاف لهذه الجرذان التي تشكل مصادر إزعاج فيحاول أصحاب دور التعليب قتلها بوضع خبز مسمم لها، فتموت، وحينئذٍ يوضع اللحم والخبز والجرذان معاً في القواديس. لكن لا تحسبن أن هذه حكاية من حكايا الجن أو نكتة، فاللحم يُجرف بالرفوش إلى العربات والعامل الذي يقوم بهذه العملية لا يبالي قيد شعرة برفع جرذ ميت فيما يجرفه حتى ولو رآه -فهناك أشياء تدخل في تركيب النقانق يُعد جرذٌ ميت بالمقارنة معها لغواً فارغاً، ومن هذه الأعمال تنظيف ما تحويه براميل الفضلات، وهي عملية تجري كل ربيع، حيث يكون في البراميل وسخ وصدأ ومسامير قديمة وماء عفن- لكن مع ذلك تؤخذ منه حمولة عربة بعد أخرى لتُغطس في القواديس جنباً إلى جنب مع اللحم الطازج ولتخرج بعد ذلك من المعمل طعاماً للآكلين!»
هذا إضافةً للفظائع التي يصفها الكاتب والتي تجري عند قتل الخنازير والأبقار بالمئات يومياً بطريقة وحشية لا تذهب ضحيةً لها الحيوانات فقط بل والعمال الذين يعملون بأدنى ما يمكن من الأجر وأطول ما يمكن من الوقت حتى ينتهي بهم الأمر إلى المرض، والطرد من العمل والموت أو الجوع والتسوّل في الشارع.
فإذا كانت طبيعة الطعام الذي تصنعه شركة تعليب اللحوم تلك على هذه الدرجة من الغش والفظاعة والاستخفاف بالحياة الإنسانية، فإن الحياة التي عاشتها أسرة جرجس اللتوانية المهاجرة إلى «النعيم الرأسمالي» الأميركي، كانت أشد فظاعةً وقسوةً ولا إنسانية، حيث مات رجالها العاملون في المسلخ من الأمراض الناجمة عن الإرهاق والتلوث وانعدام الرقابة الصحية، وتحولت بعض نسائها إلى عاهرات لتأمين معيشة الأسرة، وغرق أحد أطفالها في بركة ماء قذر في الشارع وتشرد الآخرون. وهرب جرجس، بطل الرواية، من بقية الأسرة يأساً ليعيش مشرداً جائعاً هو الآخر في مراكز الشرطة وطرقات المدينة والريف، إلى أن يهتدي الى رفاق يساعدونه على ايجاد عملاً كريماً، ومستقبلاً نظيفاً له ولغيره من المستضعفين في الأرض، من خلال دوره النضالي العمالي الجديد.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة