الدستور والذئب

اجتهدت الحكومة السابقة في أن تكون حكومة أزمة. أخبرت العراقيين في أعوامها الأخيرة بأنّ جهنّم على الأبواب. وعندما بدأ التفكير في البحث عمن يتمتع بمقبولية وطنية بقي العناد ورقة أخيرة وغير نافعة. وتعزّز ذلك في البحث الحاسم عمن يتمتع بمقبولية وطنية، وليس هذا فقط فقد تطلب من هذه المقبولية أن تتوطّد بكلمة: واسعة.
وكانت المهمة المباشرة لحكومة العبادي هي البدء بغلق كل أبواب جهنم التي لوّح بها خطيب الأربعاء، وبقية خطباء الكعكة. ثُمّ ولّى زمن الصعود في الدبابات وأتى عهد الجلوس إلى الطاولات. ونظرا للتحديات الجسيمة لم تغب أو يتم احتواء كل الأزمات دفعة واحدة من المشهد. كان الأمر فقط أنْ انتقل العراقيون من الرّكض إلى المشي. وهذا ساعد على تحديد نهاية واضحة للأيام الدامية؛ ففيما سبق كانت التفجيرات التي تستهدف الأماكن العامة والمكتظة بالطّالعين على باب الله تصل إلى حدود (22) انفجار سيارة مفخخة باليوم، وراح التوصيف بكلمة: الدّامي، يُلطّخ أيام الأسبوع.
وإلى جانب مهمة الاحتواء تحاول الحكومة اليوم أنْ تتقدم إلى العلن بصورة (حكومة الإصلاحات). وهذه الصورة بيّنت لنا الانزعاج الواضح الذي تبديه الكتل السياسية القاعدة في قارب التوافقات السياسية، وفي يدها ميثاق شرف لا يعمل، وتذكارٌ من ابتسامات عريضة في ألبوم أحداثنا المحترق.
إن الزخم الأساسي للمتظاهرين من البصرة إلى بغداد كامل الدسم ويُعبّر عن الغضب بوجه مافيات الفساد، ومافيات القتلة، وتردّي الخدمات، ويُندّد بجميع عصافير المخابرات الإقليمية والدّولية الذين وجدوا في العراق سوقا مذهلة لتداول السلاح وبناء أكشاك سياسية لبيع الزيت والنار.
لكن الشارع المتظاهر اليوم تؤطره نوايا راكبي الأمواج الذين يتفرّجون على الجموع الغاضبة ضد دواعش الفساد بعيون إقليمية. وفي هذا الصدد حذّرت النجف عاصمة برنامج إصلاحات العبادي من مناورات تلويث ما سمّته (الأصالة الوطنية للتظاهرات)، مقابل ما كان يشوب بعض حركات التظاهر منذ 2003 من حالات عمالة لا تتحرك إلا بالمال السياسي الوافد الذي يستهدف الاستحواذ على السلطة، وإهمال كرامة العراقيين وحاجتهم إلى المواطنة، والعدالة الاجتماعية، والعيش الكريم.
ولا عجب أن يتفق أيتام المحاصصة ضدّ حاضر الإصلاحات؛ فهم يلوّحون بدستورية الإصلاحات من عدمها. وللتذكير نقول: هم أنفسهم من كان يُعيد ويصقل بأنّ دستورنا مُفخّخ. فإذا كان كذلك فما المانع من التنحّي جانبا وفسح المجال لتفكيك هذه القنبلة؟ سفينة المحاصصة غرقت. نصعد اليوم سفينة الإصلاح. هل يمتلك العراقُ أكثرَ من تايتنك من دون علمنا ؟
ميثم الحربي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة