ستار كاووش.. عالم شاعري

بقلم\ ميشيل فان مارسيفين
ترجمة : معتز رشدي

جلس قبالتي. رجل في منتصف الأربعين، شعره أسود طويل، وجهه منبسط الأسارير، وعيناه طيبتان. لسبب ما بدا قلقاً، تكلم عن هواه الأول: الرسم» يجب أن أرسم»، قال بصوته الجميل، ذي اللكنة العربية المنغمة. «الرسم غرامي الأعظم. بلا فرشاة لن أكون سعيداً، أنا أحب الرسم». بدا صوته ضارعاً.
بعد عشرين عاماً من إنهائه دراسته الجامعية في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، وما زال هواه متقداً. في تلك السنوات تمكن ستار كاووش ( 1963) من خلق عالم شديد الفرادة. من اطلع على أعماله أول مرة، رأى ألوانه الصريحة، وجوه شخوصه، المميزة بأشكالها البيضوية، وشهوانيتها الغامضة، فإذا نظرتَ إليها عن قرب، سترى أغلب تفاصيل القصص التي تسردها لوحاته، وهي، غالباً، قصص بين رجل وامرأة. سنرى الحب، الهُيام، الاسترخاء، القرب، والرغبة. فنه يضعك في عالم سحري أينما وليت وجهك فيه. فكأنه الفردوس – ذاك الدفء المنبعث من سطوح لوحاته المستوية.»رسوماتي تحتوي قصصاً» وهي مما يدور حول لحظات شديدة الخصوصية بين كل عاشقين، «فأنا بحثت، عميقاً، في أسرار اجتماعهما». حتى ذلك الوقت، تقف المرأة في صدارة المشهد، بينما يبدو الرجل ثانوياً. أشكال نسائه مغطاة بغلالات شهوانية. نكاد نلمس حبه لهن، لمساً. فهو قد وضعهن على قاعدة وحاول فك عقد أسرارهن.
فن ستار كاووش ملتبس، فنانو هولندا ينظرون إليه باعتباره فناناً عراقياً، بينما ينظر العراقيون إليه باعتباره هولندياً. من هنا عجزنا عن وضع فنه في تيارات الفن السائدة. إن أعماله لشديدة الفرادة، والأصالة. ولكن هذا لا يعني عدم تأثره بآخرين.
ذكر لي أسماءً من تيارات فنية شتى، معتبراً بيكاسو ملهمه الأول «بالنسبة إلي بيكاسو أولاً». هناك، أيضاً، مارك شاغال، جوستاف كليمت، وفن الايقونات الروسي. أو الأقرب منهم إليه: جان تورب، روت موللر. كلهم فريد من نوعه، وفريد بأسلوبه. هم فنانون، مثله، خلقوا عالمهم الشخصي، فتمكنوا، بالتالي، من تمهيد السبيل لبصماتهم الخاصة.
«ولدت متأخراً 100 عاما» أعتقد أني أفهم ذلك. لقد اتجه فن زماننا، اليومَ ، للبحث عن هويته. للنظر إلى الماضي، مع الأمل بالمستقبل. الفنانون نظروا إلى الأسباب العميقة لوجودنا. حيث بدا كلُّ شيء ممكناً. الفن رفع الجمال عالياً، في الوقت الذي بات فيه الواقع خشناً وقاسياً. الشيء نفسه حدث لستار، حين انسحب إلى عوالمه الفنية. «في قصائدي فقط، أقدر أن أحيا» هذه العبارة التي كتبها الشاعر الهولندي (ج.ج.سلورهوف )، تنطبق تماماً على ستار، وفنه.
و ستار عاشق لفن الشعــر، الشعراء العرب، وكبار شعراء فرنسا: آرثر ريمبو، بودلير، بريفير. بعد الفنون البصرية، يأتي الأدب كمصدر كبير من مصادر إلهامه. حبــه للشعــراء قوبل بالمثل، فقد كتب بعضهــم نصوصاً شعرية من وحي رسوماته في معرض تشكيلي- شعري حمل عنوان(أصابع كاووش). هم عبروا بالكلمة، وهو بالصور، لكن مصدر نصوصهم وضربات فرشاته يظل واحداً: دفء العواطف الإنسانية التي توحد البشر في حياتهم المشتركة.
سألته عن أحلامه، فأجابني: مثل كلِّ فنان آخر: الشهرة، الاعتراف، بلوغ مكانة عالية في تاريخ الفن، وامتلاك متحف الخاص. سجلّه الفني أكثر من رائع: اكثر من عشرين معرضاً شخصياً، وستين معرضاً جماعياً، في مختلف أرجاء العالم، من العالم العربي إلى أميركا، ومن السويد إلى الأردن. لكن ذلك غير كاف بالنسبة إليه، إنه يحلم باجتراح شيء كبير. تمكن ستار من فرض نفسه على عالم الفن، بدلاً من أن يدع هذا الأخير يفرض نفسه عليه. فنه جدير ببلوغ ما يستحقه من مكانـة، بيد أن طريقته في الرسم لا تتوخى السهولة لتحقيق غايتها، وذلك بسبب من عدم سماحه لفنـه بالانخراط في تيارات عصره الفنية السائدة. الزمن وحده سيخبرنا متى ينال ستار المكانة التي يستحقها. في غضـون ذلك، هو سيرسم بشكل أشد رسوخاً في مشغله. وأما عمله الفني فسينتشر بعزم وإصرار، عمله – عالمه الذي يرغب بإشراككم به.
صافحته بحرارة. شكرته على فتحه أبواب عالمه لي. نظرت إليه وهو يهبط السلم، فناناً ودوداً يقوده هوىً مهيمنٌ واحد، لا غـير: الرسـم.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة