قراءة في تجربة الفنان التونسي وسام عبد المولى

أحمر متعدد الدرجات.. مشع ومتوهج

تونس – يامنة الجراي:

نحن إزاء محاولة للوقوف على سمة مهمة من سمات الفنّ في ارتباطه بمباهج الحياة ألا وهي رمزية تواجد المكثف للون الأحمر في تجربة التشكيلي التونسي (وسام عبد المولاه) وما انطوى عليه من دلالات روحية ونفسية واجتماعية وعائلية. واللون الأحمر كعنوان لقدسية العلاقات الاجتماعية جدير بالبحث والاستبطان لأنّه من الألوان الحارة التي تجاور الروح محققة نوع من الجذب تنكسر أمامه أهواء النفس لتختار احد السبل، أما الانقياد طوعاً نحو عالم مطلق ابدي عالم البقاء، وهو عالم سرمدي، أو تبقى في حدود العالم المادي الضيقة وفي كلتا الحالتين يحقق اللون الأحمر حضوره وبالشكل الذي يدعونا لان نقف بإعجاب لا لهذا اللون بل للفنّان الذي توصل إليه في استعمالاته الفنّية وخطباته التشكيلية.
وتأسيسا على ذلك فقد احتكم (وسام عبد المولاه) للون الأحمر الذي يظهر بنزعة مخصوصة تخاطب المشاعر الإنسانية من حب وأمومة ولحظات ولادة متعددة وقد يكون حضور مفهوم الولادة في أعمال الفنّان رمزي مشيرا به ربّما إلى تلك العلاقة الطوباوية بين عالم مافتئ ملتف على ذاته عالم الأنثى وعلاقتها اللامرئية بالكائن الذي يربطه به حبل سريري ليضحى هذا الحبل ألسريري اللامرئي مرئي بفعل ربط العلاقة بين لحظات التشكيل المختلفة التي تمر بها اللوحة الفنّية والمتلقي الذي سيكون في انتظار هذه اللحظة لحظة الولادة ولكن هذه المرة ولادة تشكيلية ولادة لوحة ليكون النص نصوصا وتضحي القراءة قراءات واستخدام الفنان عبد ألمولاه لهذا اللون في اغلب أعماله التشكيلية أعطى شخصية متفردة لشخصيات لوحاته التشكيلية عموماً وللفنّ التشكيلي التونسي خصوصاً لاعتبارات عدة أهمّها تفرّد تجربة الفنّان على الساحة التونسية في طريقة احتكامه للون الأحمر معولا على الدلالات السميائة له.
وهكذا فقد امتزج اللون الأحمر بدلالاته السميائية بفكرة الحب والأمومة وهنا فقد أدرك الفنّان التشكيلي التونسي وسام بانّ اللون في تجربته التشكيلة عامة مرتبطا بمباهج الحياة عامة هنا لم يكن وجوده في اللوحات كفضاء عام أو كإيحاء، وإنّما كسطح قوي متماسك بدون أن يتعارض مع الدلالة السميائة للون عامة وهكذا احتكم للأحمر المتدرج والمتعدد الدرجات كاستخدام معيّن للتعبير عن أفكاره، وهكذا ضمت أعماله ألوانا وأشكالا لكي يوحي للمتلقي عن معاني شخصية ونفسيّة واجتماعية، والأحمر واحد من الألوان الذي يخرجنا من حدين ليضعنا أمام وحدة إتلاف ناتجة من جدل بين رمزين متضادين احدهما يمثل أقدار الروح والأخر يمثّل سموها، انّه تماماً يمثل من الناحية الروحية وحدة أضداد تفاعلت وكونت حالة جديدة كالسالب والموجب في تكوينهما للنور. إنّ حضور الأحمر في أعمال الفنّان التونسي هو استكمال التشكيل للغته الروحية المتحررة من عالم المادة، لتعانق عالم الأحاسيس كل ذلك ليرجع العمل الفنّي التجريدي كعمل سميائي متغير بتغير الحالة النفسية وتتجلى العملية الإبداعية من خلال البحث في درجات اللون بما يتوافق مع الحالة الإنسانية المخصوصة التي تكشف الصور المرئية وتزيلها عن تمثلها الحاضر وتجردها حتى لا تصير دالة على الموضوعات في حضور مادي الصورة، بل لغة تأملية تخاطب العالم غير المرئي الذي هو حقيقة الموضوعات .
نحن الآن إزاء اللون الأحمر في تجربة» عبد المولاة» و هنا نود التأكيد على إنّ استخدام الفنّان للون الأحمر كان نابعاً من روح وهو في نفس الوقت غير منقطع الجذور عن الفّن القديم بمجلاته المختلفة باعتبار أن القدماء كانوا يملون للون الأحمر للتعبير عن الحب ومافتئ البدائي يعبر عن مشاعره باستعمال دمه في عملية الرسم على الجدران كقربان يقدمه لحبيبته الغائبة ماديا الحاضرة ذهنياّ. ورغبة الفنّان» وسام عبد المولاه «ورغبته في التطور والتطوير معاً دفعه أولا لانّ يبحث عن آفاق مميّزة تقذف بأهواء نفسه ورغباتها بعيداً وبالتالي المساهمة في إثراء التجربة التشكيلية التونسية بإعادة اكتشاف مفاهيم جديدة حاضرة غائبة .
فجاءت أعماله التشكيلية مترجمة في نصوصه وأشكاله وألوانه مختلفة الدرجات وبالتقنيات المختلفة. وقد يكون صحيحاً من حيث إنّ الأشكال توحي إن لها امتداد شكلي تطورت هي عنه لكن هذا الإبداع امتزج بالأحاسيس الخاصة فتبلورت من محطات تشكيلية مختلفة. ومن كل هذا فان حقيقة رسومات الفنّان تطالعنا من خلال عمق رموزه وكل هذا يؤكد لنا عبد ألمولاه له دلالات هي عصية على من لم يفك شفراتها.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة