الإصلاحات وعدم فقدان السيطرة وضياع المشروع

لا يختلف اثنان ان البلاد تحتاج الى اصلاحات جذرية.. فنداءات المرجعية لم تتوقف مطالبة بالاصلاحات.. وكذلك اصوات الشعب والكثير من القوى والشخصيات السياسية. لذلك لم يكن غريباً ان تحظى حزمة الاصلاحات التي عرضها السيد رئيس مجلس الوزراء على تأييد سريع من قبل مجلس الوزراء ومجلس النواب. وسواء قادت هذه المقترحات الى احداث الاصلاحات المطلوبة، ام استدعت الحاجة طرح مقترحات اخرى، فان المهم هو ان الذهاب الى الاصلاحات بات مطلباً كبيراً لا يمكن التراجع عنه.
الاصلاح بطبيعته عملية تفكيك وبناء.. تفكيك لكل ما هو معطل ومتخلف وبال، وبناء لكل ما هو محرك ومفيد وصالح.. فهو بالضرورة معركة مع قوى، وكسب تأييد ومناصرة لقوى اخرى. والفساد وعوامل التعطيل ليست قضايا نظرية بل هي مصالح ومافيات وقطاعات مستفيدة ستقاتل من اجل منافعها ومصالحها. فالاصلاح ان كان مجرد عملية تفكيك من دون استكماله ببناء قوى جديدة تحمي الاصلاح وتنتفع به وتقاتل من اجله، فانه سرعان ما سيرتد على نفسه.
كان من اهم عوامل اضعاف النظام الملكي من قبل قادة النظام الجمهوري تدمير القاعدة الاقتصادية، وتغيير المنظومة السياسية والشعبية لذلك النظام.. عبر قانون الاصلاح الزراعي، وقانون رقم (80) حول امتيازات الشركات النفطية، وتسليح الجيش العراقي بالسلاح السوفياتي، والاتفاق مع السوفيات لتشييد عشرات المصانع آنذاك، الخ.. فجميع هذه الاجراءات هدفت الى بناء اهداف وعلاقات وقوى جديدة لمواجهة الاهداف والعلاقات والقوى القديمة.. فكان مبدأ توزيع الارض للفلاحين هو البديل لما كان يسمى بقوى الاقطاع الحاكمة في الريف العراقي.. وسياسة الاعتماد على قوى المعسكر الشرقي هي البديل للاعتماد على المعسكر الغربي المؤيد للنظام الملكي، وبناء المدن والمصانع هي البديل للاعتماد على النظام الريفي والعشائري. لكن عندما حصل تلكؤ في اعمال تمليك الارض، وتفكك نظام العلاقات الزراعية من دون بناء بديل حقيقي يسمح باستثمار الارض وتطوير الزراعة، وعندما لم تبن علاقات مدينية جديدة او قواعد صناعية متينة لها، وعندما ترسخ الحكم الفردي وتفككت «جبهة الاتحاد الوطني» التي حملت مشروع تموز 1958، حصلت حركة الارتداد كما في شباط 1963.. لقد كان «قاسم» ذكياً في احداث نقلة وكسب ود الجماهير عندما بدأ بتوزيع الاراضي للفقراء مجاناً للسكن، فقامت مدن ومجمعات سكانية كبيرة كمدينة الثورة (الصدر اليوم) تحمل، بسبب المكسب الكبير الذي تحقق بتحولها الى قطاعات مالكة، الكثير من الولاء والحب لـ»قاسم»، في وقت تخلى عنه كثيرون، عندما اصبح بامس الحاجة اليهم.
ان النقطة المركزية في عملية الاصلاح هي تحقيق نقلة او منجزات ملموسة يحسها المواطنون، والاعتماد على قوى موحدة، وبناء قوى جديدة تستطيع الوقوف بوجه القوى التي اطاح بها الاصلاح. فالهدم بمفرده لا يكفي، بل يجب بناء البدائل وتوليد حركة تفوق في عطائها ومكاسبها كل الوضع السابق. وان تدور هذه العملية خلال مدة كافية، وبالارتكاز على قوى فاعلة وقوية، تسمح بالحفاظ على مصادر القوة والسيطرة، وان لا تتجه اتجاهات فردية.. والا فان «داعش» تنتظر اي فراغ تنفذ منه.. وان قوى الارتداد ستكون عنيفة، ان فقد النظام قدراته للبناء والتقدم، وبقي عند سياسات الهدم والملاحقة والاتهام والدوران في حلقة مفرغة، او اذا فقد مصادر سيطرته وقوته ووحدته، واذا لم يكسب شرائح وقطاعات جديدة من الشعب، لا خسارة القديم وعدم كسب الجديد.
عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة