الأخبار العاجلة

الكاتبة الإيرانية دلفين مينوي تعود إلى جذورها

بيروت – موناليزا فريحة:

في محطة قصيرة في بيروت، في طريقها إلى إسطنبول، وَقَّعَتْ الكاتبة والصحافية الإيرانية- الفرنسية دلفين مينوي كتابها الجديد الصادر عن دار سوي- باريس (أكتب لكم عن طهران)، الذي هو عبارة عن جولة في قلب إيران تكشف بجرأة وموضوعية تناقضاتها وأسرارها. أما زيارتها إلى بيروت فكانت برعاية مؤسسة (بان كلوب) العالمية.
دلفين مينوي هي كاتبة وصحافية جريئة خاضت غمار قضايا شائكة في المنطقة الشرق أوسطية الأشدّ اشتعالاً وتوتراً، وتمكّنت من كتابة ريبورتاجات مهمة، ووضعت كتباً كان لها وقعها في فرنسا وفي العالم عبر ترجماتها. ولا سيما كتابها (أنا، نجود، المطلَّقة وهي في العاشرة)، الذي يتناول مأساة الطفلة اليمنية التي طلقت زوجها في العاشرة بعدما أُجبرت على الزواج منه، وقد تُرْجِمَ هذا الكتاب إلى حوالي ثلاثين لغة، من ضمنها العربية.
لم تشأ دلفين في كتابها الأخير إلّا أن تتحدّث عن إيران “كما هي”. رفضت تأطير هذا البلد الذي أمضت فيه سنوات ساعية وراء جذورها العائلية، في فكرتين متناقضتين ومتطرفتين.
المراسلة الخاصة لجريدة (لو فيغارو) في الشرق الأوسط، تحدّثت بشغف عن إيران، بحسناتها وسيئاتها بعيداً من الكليشيهات المتطرّفة التي يُروّج لها صحافيون يمضون بضعة أيام في إيران. هؤلاء في رأيها يرون إيران مجرد “نساء بشادورات سود، وبلد بلا حرّيّات، وإسلام مُتشدّد”. ترفض مينوي أيضاً الفكرة النقيض أيضاً التي توردها بعض الصحف الفرنكوفونية مركزة على شبان يذهبون للتزلج ويشربون الكحول ويسهرون في الحانات ويدمنون المخدرات في السهرات ويعيشون على الطريقة الغربية. في منظور مينوي إيران الحقيقية تكمن بين هاتين النظريتين المتطرفتين. لكن مينوي التي عاشت عشر سنوات في إيران، تبدو متفائلة بالمجتمع المدني الحيوي والناشط جداً، على رغم كل هذه القيود. تقول: “في الجامعات تعبئة سياسية ناشطة ونقاشات واسعة حول الديموقراطية، وما إذا كانت الديموقراطية تتعارض والإسلام. وفي غياب أحزاب سياسية معارضة حقيقية، باستثناء تلك التي تحظى برضى السلطات، تضطلع الصحف بدور المعارضة الحقيقية والسلطة الرابعة”.
تبدأ دلفين كتابها ساردة حكايتها مع صورة جدّها الإيراني، باباي، الذي ظلّ يُمثّل لغزاً في حياتها على رغم قربها الشديد منه. فالجدّ الإيراني أدى دوراً أساسياً في حياة حفيدته الفرنسية الصغيرة. فهو الذي أعطاها الدروس الأولى في اللغة الفارسية، ثم جعلها تحفظ غيباً أبيات كبار شعراء الفرس، مثل حافظ وسعدي والخيام وسواهم، من دون أن يعلم أنّه كان يرسم بدروسه هذه مسار دلفين ومستقبلها، لاسيما في عالم الكتابة.
وبعين الصحافية وهاجس الكاتبة سعت مينوي إلى الغوص في البحث عن شخصية هذا الجد، هذه الشخصية الغنية في تعقيداتها، فوجدت نفسها خلال هذا البحث كأنها تبحث عن صورة إيران نفسها. وحيال نهوض الحنين إلى إيران جدها في ذهنها، راحت دلفين مينوي تكتب ما يشبه المذكرات والمشاهدات والانطباعات، وسكبتها كلها في نص يقارب أدب الرحلة والسيرة الذاتية في آنٍ واحد. وشاءت أن تعتمد تقنية أدب الرسالة فأدرجت النصوص كلها في شكل رسالة تتوجّه بها إلى جدّها الإيراني، المُلهم والمعلّم الأول، وراحت تخاطبه راوية له أحوال إيران والتحوّلات التي طرأت عليها. إنها تسرد له إيران ما بعد 1997 السنة التي زارت فيها إيران لتقيم فيها عشر سنوات، أي حتى 2007.
لَعلّ العنوان بحد ذاته (أكتب لكم عن طهران)، يدلّ على الغاية التي سعت إليها الكاتبة. لكنّ القارئ قد يسأل: عن أيّ طهران تكتب مينوي؟ هل تكتب عن العاصمة التي تربطها بها علاقة حنين، أم عن العاصمة التي عملت فيها بصفتها صحافية ومراسلة، أم عن المدينة الساحرة التي لم تكن تتصوّرها بهذا الجمال وهذه الفتنة والتي لا تخلو من التناقضات؟
هكذا عمدت مينوي، من خلال لغة سردية وموضوعية، إلى نقل تفاصيل مدينة تقوم على نظام الثنائيات المتقابلة. تُدخل القارئ في صميم عالمٍ جاذب في غموضه، حتى لتغدو شهادتها نوعاً من الكشف عن الوجه الآخر للمدينة، وجهها الخفي والمجهول: الاحتفالات الممنوعة والسهرات الخاصة التي دخلتها، العلاقات والصداقات. حاولت دلفين في كتابها أن تظهر وجهَي المدينة المتأرجحة بين القمع والارتقاء. هذان الوجهان اللذان يصنعان مزاياها الفريدة: مدينة التناقضات التي تتقاطع فيها نسوة التشادورات المحافظات والخاضعات للسلطات المُتعدّدة والنسوة المثقفات المعجبات بالنمط الغربي والمتحرّرات، ولو بالسر، واللواتي يقرأن رواية (لوليتا) في لقاءات مغلقة، كما تشير الكاتبة اذار نفيسي في روايتها الشهيرة (أن تقرأ لوليتا في طهران).
وفي سؤال مينوي لماذا اختارت السفر إلى إيران عام 1997، وهو عام شهد أحداثاً كبيرة، تقول: “كنت قد نلت للتو شهادتي في الصحافة، وأصبحت جاهزة لخوض السياسة الإيرانية، وقد دفعني إلى السفر المناخ السياسي الذي أعقب انتخاب محمّد خاتمي رئيساً للجمهوريّة، وهو كان بمثابة بداية حقيقية لحقبة جديدة في تاريخ إيران. وهي حقبة الانفتاح على الغرب بعد فترة انغلاق إيران على نفسها منذ أن حصلت الثورة عام 1979. وقد حمل مجيء خاتمي آمالاً كبيرة للشعب الإيراني الذي كان ينتظر مثل هذه اللحظة التاريخية، لكنّ الآمال راحت تتضاءل”.
وتضيف مينوي عن هذا الخيار بالعودة إلى بلادها الأم في تلك الآونة قائلة: “حمل سفري إلى إيران أهدافاً بارزة: أوّلاً لأكتشف الذات الإيرانية الكامنة فيّ والتي ورثتها عن أبي، وثانياً لأعود إلى جذوري الضاربة هناك وأتمكّن من المصالحة، جزء مني أجهله وهو الذي ورثته عن أجدادي الإيرانيين. وثالثاً لأتمكن من الكتابة الحقيقية عن إيران من قلب البلاد وأرسم صورة واقعية أقدّمها للقرّاء الفرنسيين والغربيين الذين لا يرون في إيران سوى الإرهاب والتعصُّب وسوء معاملة المرأة والشادور والإسلام المتطرّف، وإيران لا يمكن حصرها في هذه المواصفات فقط. هناك شعب إيراني حقيقي يحلم بالتطوّر والحداثة والانفتاح. أؤكد أن المجتمع الإيرانيّ يضج بالحياة. ورحت، في مقالاتي، كما في كتابي، أنقل قصص طهران التي يجهلها الآخرون تماماً”.
ولكن، من الملاحظ أن الشعب الإيراني لم يتأثر بالثورات المندلعة حوله في العالم العربي. ما سرّ عدم التفاعل هذا؟ أسألها فتجيب مبتسمةً: “كان الشعب الإيراني واعياً جداً بما يحصل في العالم العربي، وكثيرون من السياسيين والصحافيين الذين هم على خلاف مضمر مع السلطة رحّبوا بمثل هذه الثورات، وربما أخذوها مثالاً. لكنهم حذرون جداً، ولا يريدون أن يحصل خراب في إيران كما يحصل في العالم العربي الملتهب. لعلّهم ينتظرون رحيل خامينئي ليمضوا في ثورة إصلاحية هادئة لكنها صلبة. لا أخفيك أن من يزور إيران ويحتك بالنخب السياسية والثقافية يشعر أن شيئاً ما تستعد له إيران أو الشعب الإيراني. ويشعر الزائر أيضاً بأن هناك غلياناً في المجتمع ولدى الأجيال الجديدة. الفساد واضح والسلطة ساهرة وقاسية. ومن الملاحظ أيضاً أن الإيرانيين اليوم باتوا متمرّسين رغماً عنهم في فنّ الكذب الاجتماعي، فهم لا يجرؤون على التصرّف بحرّيّة خوفاً من التهم والوشايات والقمع”.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة