(بيتر بان) يخطف آلاف الأطفال الكوبيين

آخر جنود الحرب الباردة

روبرت بالانتاين
ترجمة: أبوالحسن أحمد هاتف

لم تكن ازمات الهجرة مجرد بدعة في العلاقة المضطربة بين الولايات المتحدة وكوبا بعد ارتقاء فيدل كاسترو الى السلطة عام 1959.
وأول هذه الأزمات نشأت بعد وقت قصير من انتصار الثورة واستمرت حتى عام 1962، وهي الفترة التي هاجر فيها 300 الف شخص، أي ما يقرب 3 في المئة من تعداد سكان كوبا، الى الولايات المتحدة.
أنتجت الهجرة نقلة ديموغرافية حادة في ميامي، التي ارتفع تعداد سكانها من 300 الف إلى ما يقارب نصف مليون نسمة. حتى وصول الكوبيين سجل التعداد أن من بين كل عشرة من السكان المحليين، ثمانية منهم بيض واثنين فقط من ذوي اصحاب البشرة «الغير بيضاء»، وهي الفئة التي شملت السود واللاتينيين.
في كتابه (آخر جنود الحرب الباردة)، يكشف المؤلف فرناندو مورايس عن الهروب الجماعي المنظم للكوبيين الذي ساهمت فيه الكنيسة الكاثوليكية الى جانب قوات المعارضة.
ففي ذروة المواجهات الأولى بين هافانا وواشنطن، دبرت وكالة الاستخبارات المركزية ورئيس أساقفة ميامي، كولمان كارول، خطة كبيرة للنقل الجماعي للأطفال من كوبا إلى الولايات المتحدة بدعم من الكنيسة الكوبية.
حيث باشروا بتنفيذ عملية (بيتر بان) التي كانت مصدر الهام في وقت لاحق للعديد من الكتب والأفلام ليلة أكتوبر عام 1960 مع إعلان مريب في إذاعة سوان وهي محطة مؤسسة من قبل وكالة الاستخبارات المركزية في ميامي تبث برامج لكوبا: «الأمهات الكوبيات، الحكومة الثورية تخطط لسرقة أطفالكن! «صرخ المذيع. «عندما يبلغون الخامسة من عمرهم، سيتم سحب أطفالكن من العائلة ويرجعون مرة أخرى في الثامنة عشرة، متحولين إلى وحوش مادية! احترسن ايها الأمهات الكوبيات! لا تدعن الحكومة تسرق أطفالكن! «وجاءت الخطوة الثانية صباح اليوم التالي، ببث مئات الآلاف من المنشورات في جميع أنحاء البلاد مع نص قانون خيالي كتب على أيادي أفراد من وكالة الاستخبارات المركزية، يزعم أنه سيصبح موضع التنفيذ «في أي لحظة» من قبل الحكومة الكوبية.
وتم تزوير توقيع هذه الوثيقة على انها وقعت من قبل «الدكتور فيدل كاسترو روز، رئيس مجلس الوزراء» وأوزفالدو دورتيكوس الذي أصبح انذاك رئيسا للجمهورية.
ووفقا لمنظمة بيدرو الغير الحكومية، تم تهريب 14048 من الفتيات والفتيان، اصبح بعضهم شخصيات بارزة في الحياة العامة الأمريكية، مثل السناتور الجمهوري ميل مارتينيز، توماس ريغالادو، العمدة السابق لمدينة ميامي، والدبلوماسيين إدواردو أغيري، الذي رشح سفيرا في اسبانيا من قبل الرئيس جورج دبليو بوش، وهوغو لورينز، السفير في هندوراس عام 2009 اثناء رئاسة مانويل زيلايا. في البداية تم وضعهم في دور الأيتام الكاثوليكية والمؤسسات الخيرية، والآلاف من هؤلاء الأطفال الذين تم اجلاءهم لم يروا آباءهم وأمهاتهم مرة أخرى.
وشهدت بداية عام 1962 نهاية عملية (بيتر بان)، التي كانت من اكثر الأحدات الدراماتيكية والمؤلمة للثورة الكوبية. أما الموجة الثالثة من الهجرة فقد حدثت في نهاية عام 1966، بعد أن وقع الرئيس جونسون قانون التعديل الكوبي الذي اضفى بعدا قانونيا للوضع الذي بدأ عام 1959.
ويقدم هذا القانون للكوبيين الذين يصلون الى الولايات المتحدة، بطريقة مشروعة او غير مشروعة امتيازات اكثر مما يقدم لغيرهم من الأجانب من أي جنسية أخرى، تمثلت باللجوء السياسي ومنح وثائق الإقامة الدائمة.
وبعبارة أخرى، يحصل اللاجئون على حقوق الامن الاجتماعي التي تم تمديدها إلى الزوجين والأطفال دون سن الواحدة والعشرين.
وفي السنوات الأربع التالية، نقل الجسر الجوي الذي يربط بين منتجع فاراديرو و ميامي أكثر من 270 الف كوبي.
وكانت هذه النقطة التي دخل فيها جيمي كارتر نواعا مع جميع شاغلي البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية، وكان كارتر هو الذي حافظ على أفضل العلاقات مع كوبا. وقال انه كان مسؤولا عن رفع جميع القيود المفروضة على المنفيين للسفر، وإنشاء مكتب لرعاية المصالح في هافانا وواشنطن، مايمثل «اقل ماكان يمكن هو تبادل دبلوماسي».
وفي يوليو 1977، في مقابلة مع مجلة فيجا البرازيلية، اعترف كاسترو أن شيئا ما كان يتغير في الولايات المتحدة. «كان لكل من ايزنهاور، كيندي، جونسون، نيكسون وفورد سياسة عدائية تجاه كوبا»، أكد الرئيس الكوبي للمجلة الأسبوعية، «هذه الحكومة الأمريكية الأولى خلال 18 سنة التي لم تلتزم بهذه السياسة، كان نيكسون مهرجا، فجاء رده بعيدا عن الاخلاق».
بعد ثلاث سنوات من هذه التصريحات، تغير المشهد المحلي في الولايات المتحدة كثيرا.
كانت ألاغلبية الأمريكية المحافظة غاضبة على معاهدات كارتر مع الرئيس البنمي عمر توريخوس، التي نصت على تسليم قناة بنما عام 2000. واعتبر الرأي العام أيضا كارتر لينا في تعامله مع الاتحاد السوفييتي لتجاهله الغزو السوفيتي عام 1979 لأفغانستان.
ولكن حدث ماأدى الى القضاء على شعبية كارتر في ليلة 25 أبريل 1980، عندما وافق البيت الأبيض على عملية مخلب النسر التي انتهت بكارثة، والتي شاركت فيها ثماني طائرات هليكوبتر وستة طائرات هرقل C-130 وتسعون رجلا من القوات الجوية الأمريكية لمكافحة الإرهاب الكوماندوز في عملية لاطلاق سراح 52 رهينة امريكية تم ااحتجازهم لستة أشهر من قبل مجموعة من الشباب الإيرانيين الذين احتلوا سفارة الولايات المتحدة في طهران، وانتهت العملية بكارثة، توفي على اثرها ثمانية جنود أمريكيين، وظل الرهائن الثماني في أيدي الإيرانيين.
عاد الناجون محبطين من عملية مخلب النسر الى واشنطن بعد تسعة عشر يوما بعد سقوط السفارة البيروفية في هافانا. وامام ضغط المجتمع الدولي، وافقت بيرو على استقبال 1000 من 10000 شخص كانوا قد لجأوا في السفارة. الرئيس الأميركي، الذي كان على وشك ترشيح نفسه لاعادة انتخابه في العام، وجد في فرصة لاستعادة شعبيته. وعلى العكس من الدبلوماسية المعتدلة التي اعتمدها منهجا له في ما يتعلق بكوبا منذ وصوله إلى البيت الأبيض، دعا كارتر الى مؤتمر صحفـي وتحــت عنوان جديد «قلوب مفتوحـة واسلحـة المفتوحـة» أكد فيه علــى قانــون التعديل القديم: بــأن جميــع الكوبيين الذين تمكنوا من الوصــول إلى الولايات المتحدة سيحصلــون على حــق اللجــوء السياســي، والإقامة الدائمة و تصريح للعمل والتسجيل فــي الضمان الاجتماعي.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة