كيف بدأت حكاية المونتاج ؟

قيس الزبيدي

حاول المنظرون أن يكتشفوا مقولة المونتاج في السرد بهدف تسليط الضوء على طرقه واشكاله تاريخيا في محاولة الوصول إلى تصنيف عام لاغلب طرقه وأشكاله، التي تم تداولها ويتعرفوا على طرقها المنفردة وعلى أشكالها المتنوعة، التي يتفرع كل شكل منها من طريقة بعينها، دون أن يرتد أليها فقط، إنما يتنوع وفقا لانتمائه إلي أي طريقة في كل مرة.
في سنة 1902 ظهر فيلم أدوين بورتر «سرقة القطار الكبرى» الذي أحدث تغييراً نوعياً في السرد البصري عن طريق قدرة المونتاج ووظيفته في بناء الحكاية السينمائية، ليس فقط عن طريق التتابع وفقاً لترتيب حدوثها الزمني، بل أن يكشف أيضا بداية استخدام مونتاج التناوب بين حدثيين متوازيين، وإن بشكله الأول.
وحينما ظهر فيلم غرفيث «مولد أمة» 1915 أعلن ولادة فن السينما وأثبت في الوقت نفسه أن غرفيث هو الأب الشرعي لهذا المولود الجديد. وحين عرض فيلمه «التعصب» 1921 في موسكو كان تأثيره على السينما السوفيتية الفتية كبيرا. وقد كتب عن ذلك الباحث تلميذ إيزنشتين غاي لايدا: ”لم يحدث أن كان أي فيلم من الأفلام السوفيتية الهامة التي أنتجت في السنوات العشر التي أعقبت عرض فيلم «التعصب» لم يتأثر به، أو جرى إخراجه خارج نطاق تأثيره». وبين إن طريق السينما السوفيتية رسمته حينئذ أعمال غرفث الخلاقة.
بعد ثورة 1917 مباشرة، عيّـن أحد السينمائيين الشباب الروس واسمه ليف كوليشوف مسؤولاً عن ورشة سينمائية واتخذ بودوفكين تلميذا له وكان إيزينشتين أحد تلامذته كذلك لكن لفترة قصيرة. في أحد الاختبارات قام كوليشوف مثلا بربط عدد من اللقطات المصورة في أزمنة وأمكنة مختلفة، وكانت الحصيلة مشهدا بدا كما لو كان موحدا، تم تصويره في مكان وزمان واحد، أطلق عليه «الجغرافيا الخلاّقة» وأخذت مجموعة كوليشوف في أكثر اختباراتها شهرة، لقطة واحدة للممثل المشهور قبل الثورة موسوخكين أوصلوها مرات ثلاثة مع لقطة لطبق شوربة ولامرأة في تابوت ولطفلة، بحيث أعجب المشاهدون، وفقاً لما رواه بودفكين، ببراعة موسوخكين ومقدرته التمثيلية على إيصال انفعالات مختلفة: الجوع والحزن والعاطفة.
بدوره عاد بودفكين ووضع خمس طرق للمونتاج كالتالي: مونتاج التناقض والتوازي والتشابه والتزامن والنغمة المتكررة. وطور في عمليه الرئيسيين (تقنية الفيلم 1926) و(التمثيل السينمائي 1935)، على أساس من اختباراته مع كوليشوف، نظرية مختلفة حول السينما ترتكز على ما أسماه (مونتاج العلاقة) وكان يرتكز على ما سماه أيضا «المنهج الذي يتحكم في القيادة النفسية للمشاهد». كانت نظريته ببساطة تعبيرية: أي أنها تعنى أساساً بمدى قدرة صانع الفيلم على التأثير على المشاهد. واكتشف مقولات للشكل وحلّـلها. وكان معنياً جداً بأهمية اللقطة –الميزانسين- وبذلك أظهر موقفاً عُدَّ واقعياً. ونظر إلى المونتاج على أنه القلب المركب والنابض للفيلم، لكنه أكد بأن غرض المونتاج هو دَعْم حكاية الفيلم وليس تحويرها أو تبديلها.

المدرعة بوتمكِـن
ايضا اعتبر إيزنشتين المونتاج عصب السينما وان فهم وادراك طبيعة المونتاج هو حل للغة السينما الخاصة. ووضع خمسة طرق في المونتاج: المونتاج المتري والإيقاعي والنغمي وفوق النغمي والذهني على الشكل التالي:
المتري: حينما يتبع المونتاج عدداً خاصاً من الفريمات تقطع الى لقطات متتابعة بغص النطر عن مضمون الصورة. يستخدم هذا المونتاج في اختيار اكثر تاثير وجداني على الجمهور: امثلة الهجوم على قصر الشتاء في فيلم أوكتوبر
الايقاعي: يستند تتابع اللقطات فيه على الاستمرارية: استمرارية تتابع بصري مبتكر
النغمي: يوظف المعنى العاطفي للقطات- في التلاعب والتاثير عبر طول اللقطات او خواصها الايقاعية على ردة فعل الجمهور وهو اكثر تعقيدا من المونتاج المتري او الايقاعي.
فوق النغمي: مونتاج تركيب بين المتري والايقاعي والنغمي يمارس تاثيرا على الجمهور اكثر تجريدا وتعقيدا: مشهد ذوبان الجليد اثناء هروب البطل في فيلم «الام» لبودفكين.
الذهني: يستعمل لقطات مجتمعة تنتج دلالة ذهنية: مثال من فيلم الاضراب لايزنشتين: مشهد الهجوم على العمال يتخلله مشهد ذبح الثور لتدل على استعارة فيلمية أي معنى لا يوجد في اي من اللقطتين انما ينتج من تقابلهما.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة