ذات وصاية خالدة

يبقى مشهد ازاحة الصنم من قلب ساحة الفردوس ربيع عام 2003 وتلقف شحطات أطفال بغداد لرأسه البغيض، مفصلاً اساسيا بين فسطاطي النزاع الازلي بين سلالات بني آدم. في الوقت الذي احتفت فيه قوى الخير والمحبة داخل حدود المستوطنة القديمة وخارجها بهذا الحدث التاريخي، شمرت قوى الشر والكراهة والاجرام عن كل ما تضمره ترسانتها من عدة ومكر ودونية وغدر كي تشوه ذلك المشهد الحلم.
ومن المؤسف الاعتراف بأن مساعي حثالات المجتمعات هذه، قد تحققت في غير القليل من جبهات هذا الصراع، حتى ان رئيس تحرير أحدى الصحف المهمة في بغداد بعد الفتح الديمقراطي المبين، تجرأ على تدبيج افتتاحية يكشف فيها عن زيف مثل هذا الحدث، بوصفه صناعة هوليودية، وكل هذا الفرح والابتهاج الذي تناقلته وسائل الاعلام العالمية الورقية والسمعبصرية، هو من اداء حشود جاءت بها الدبابات الاميركية. ولم يمر وقت طويل حتى انخرطت هذه المخلوقات في الهياكل والواجهات الجديدة التي طفحت على مستنقع الاحداث، وتقمصت فيه ثوب هوشي منه والجنرال جياب أو ما عرف بـ (المقاومة الشريفة). لقد رحل حزب “المنحرفون” غير مأسوف عليه ولا على (رسالته الخالدة) التي خلفت تحت تراب هذه الارض القديمة؛ أحد أكبر وأبشع المقابر الجماعية في التاريخ. لكن فلول هذه (الرسالة الخالدة) وبنيتهم ومنظومة قيمهم وخلاياهم النائمة والمستيقظة ما زالت باقية وتتمدد، والسبب يعود الى ما أدمنت عليه شعوب وقبائل وملل هذه المضارب القديمة؛ من العيش في اصطبلات الوصاية، الى يومنا هذا ما زالت الأكثرية الصامتة والتائهة لا تدرك الدور الذي تلعبه “الوصاية” في كل هذه الكوارث والمحن التي تعيشها منذ أكثر من الف عام وعام.
غير القليل من الذين شمروا عن مشاريعهم المجنحة في نقلنا على بساط أوهامهم الى حيث الدولة المدنية والديمقراطية، لا يطيقون دعوتنا اليهم في التريث قليلاً عند محطة هذه الوصاية القاتلة. ويصرون على تدليك مصباح شبيك لبيك، برغم انف الاستغاثات والالتماسات التي قدمها الطنطل لاعفائه عن انجاز هذه المهمة العسيرة؛ (المواطن) المتحرر من شرنقة الوصاية وأهازيج القطيع.
ان ظهور الاحزاب والكتل والجماعات المستثمرة في حوانيت الدين والطائفة، لم يأت من فراغ، وكذلك زوالهم لن تحققه رغبات البعض منا وامنياتهم في امتلاك الدولة الحديثة وتشريعاتها المناصرة لعيال الله الأحرار لا الأتباع. ولن نكشف سراً عندما نقول ان السواد الأعظم من سكان أرض السواد لا يخفون حقيقة كونهم اتباع (اذا قال فلان ..) ولا فرق بينهم جميعاً من اتباع بن تيمية الى النسخ الجديدة من الاولياء وصولاً الى اتباع المغفور له كارل ماركس.. فمن دون الانعتاق من براثن هذا الارث القاتل (الوصاية) ومواجهة فواتير الحرية والمسؤولية الحقيقية؛ لا ضوء في آخر النفق ولا هم يحزنون.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة