الفساد الشخصي والفساد العام

يتم الكلام كثيراً عن الفساد.. وهذا بالتأكيد موضوع الساعة.. بل لعله من اهم الامور التي تسعى «حزمة الاصلاحات» لمعالجتها، والذي تؤكد عليه المرجعية في كل خطاباتها وتوجيهاتها، ويندد به الشعب في مجالسه ومظاهراته وعبر وسائل الاعلام والتعبير. لكن ما هو الفساد؟ اهو السرقة والتلاعب الشخصي بالمال العام.. ام انه هدره بسبب النظم وقواعد الصرف والعمل والرقابة والتخطيط التي اعتادت عليها الدولة.. ام الاثنان معاً؟
مالياً، بلغ مجموع موازنات العراق 850 مليار دولار تقريباً، منذ 2003 وليومنا هذا، من دون ذكر الموارد الاخرى. ويجب النظر للفساد الذي تستبطنه هذه الارقام عبر 3 مستويات. (والارقام والنسب كلها حقيقية لكنها تقريبية وتقديرية، وهدفها عرض الافكار اكثر منها تقديم دراسة احصائية)
الاول، وهو الفساد الشخصي الذي يقدر البعض انه يستهلك 3% من مجموع هذه الارقام.. اي ان استغلال الموقع لتحقيق المنافع الخاصة، ان صحت التقديرات، استنزف 25.5 مليار دولار.. وهذه مبالغ هائلة تعني ان ما يسرق بطرق الاحتيال والسحت الحرام لا يقل عن 2 مليار دولار سنوياً.. وهذه كارثة عظيمة يجب التصدي لها والحد منها للوصول الى ايقافها.. فحسب «منظمة المسح الدولي» و»الشفافية الدولية» فان العراق يحتل المرتبة السادسة او السابعة قبل الاخيرة بدرجة 16 من 100، برغم ان هناك نقاشاً طويلاً حول المعايير التي تستعملها هذه المنظمات.
والثاني وهو فساد النظام.. وهنا تستبطن المسألة امرين.. اولهما ترهل الدولة وتحولها الى دولة رعاية اجتماعية (رعاية ضعيفة تكرس الكسل والاتكالية) وليست دولة خدمات عامة. فتستهلك عبر موازنتها التشغيلية -ومعظمها رواتب واجور ومخصصات وتقاعد وسياسات دعم- للمزيد من الثروات، مقابل القليل من الانتاج والخدمات. وهذا فساد للنظام استهلك ما لا يقل عن نصف مبالغ الموازنات المتعاقبة، أي نحو 425 مليار دولار، لا يمثل العمل المنتج منها اكثر من 6% بقليل، محسوبة على اساس ان الاحصاءات تشير، بان العمل المنتج في الدولة لا يتجاوز 20 دقيقة في اليوم. اي هناك هدر لما يقارب 94% من الموازنات.. وهذه تمثل اكثر من 400 مليار دولار. وثانيهما سوء استعمال الاموال والتخطيط لها. فلقد تراكم اليوم لدى وزارة التخطيط حوالي 9000 مشروع معطل قيمها تقارب 300 مليار دولار، ونسب التنفيذ فيها 5-90% لم تنجز في مواعيدها، ومعظمها متأخر لسنوات، مما سبب ويسبب خسارة وتجميد وتآكل وعدم الاستفادة من اموال هائلة، ضائعة او معلقة بين المحاكم والمصارف والدعاوى المتبادلة بين دوائر الدولة والشركات والمقاولين.
والثالث وهو ما تعطله البيروقراطية وقواعد عمل الدولة البالية وقراراتها واجراءاتها الارتجالية، والسلوكيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية السائدة التي تحجز طريق الانطلاق والتنمية. فموازنات مجموعها نحو 850 مليار دولار، خلال 12 عاماً، مندون ذكر رؤوس اموال الاستثمارات الوطنية والاجنبية، ستعني، لو لم تحبس ويعرقل انطلاقها، لعوامل عديدة منها الثقافة والاجراءات المتشددة، نقول ستعني لو ضخت الى الاسواق ومواقع العمل والانتاج ترليونات الدولارات من قيم مضافة ومتولدة ومحركة ومضاعفة لدورات جديدة ومتعاقبة، والتي من شأنها اصلاح أي مجتمع مهما كان متخلفاً او متأخراً. علماً ان مشروع مارشال لاعمار اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية قد بلغ 15 مليار دولار للاعوام 1947-1951، وهذا مبلغ يعادل بالقيمة الحالية 148 مليار دولار، أي تقريباً موازنة العراق (غير المقرة) لعام 2014 فقط.
في افتتاحية سابقة نقلت عن احد كبار المدراء العامين لواحد من اكبر المصارف العالمية، ان الفساد يعتمد على ثلاث ركائز اساسية.. هي –اولاً- التعامل بالنقد الورقي في معظم التعاملات، وضعف التعامل المصرفي.. وثانياً الاعتماد كلياً على المعاملات الورقية.. وثالثاً الاستمرار بالنظم اليدوية وليس الالكترونية، وقد اضفت ركيزة رابعة خاصة بالعراق وهي الدولة الريعية المحتكرة لكل شيء، والمعرقلة لكل شيء والمفرطة بكل شيء.
عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة