بيسارو شيخ الانطباعيين وشعلة المشهد الطبيعي

قطر – باسم توفيق:

حينما سأل بيكاسو عن تشبثه في احدى مراحله الفنية باللون الأزرق فيما عرف بالمرحلة الزرقاء لما سأل عن الحكمة من طغيان اللون الأزرق على لوحاته أجاب “بدأت هذه النزعة اللونية عندي حينما اصبت بمرض تنفسي شديد وقضيت في احد مستشفيات باريس المتواضعة شهراً كاملاً لم يكن لي اي عمل في هذه الفترة غير التلهي في متابعة العمل في المكان وتفاصيله والتنوع اللوني في هذا المكان من أحمر قان وهو لون الدماء لأبيض ناصع وهو لون الملاءات وملابس الممرضات حتى في يوم كنت أزور جارا لي في الغرفة المجاورة وكان رجلا عجوزا مريضا بمرض عضال وكانت تزوره زوجته وابنتاه وأثناء ذلك دخل الطبيب ولفت نظري ان الرجل العجوز كان شاحبا شحوبا لا يميل الى اللون الأصفر بل يتعداه لدرجة من درجات الأزرق الفاتح وهنا بدأت ألاحظ ان كل هذا المشهد غارق في هذا الشحوب الأزرق كما كان يلعب الضوء الفلورسنتي الخافت دوره في هذا الشحوب من هنا قفز الى ذهني سريعا ان هذه المد الأزرق قد يكون معبرا بشكل او بآخر عن حالة البؤس او المرض او بمعنى أصح التردي”.
يقول الناقد الفرنسي مارسيل ادمون “قد تجد الحقل قد تم تصويره من زاوية شديدة الانطفاء بحيث يخيل اليك انه حقل داخل غرفة مقفلة فقد تتساءل اين الشمس في هذا المشهد التشكيلي او حتى الضوء الطبيعي” .
وهكذا كان يرى ادمون حتى اللوحات التي تصور الطبيعة كانت تبدو داخلية في غياب تفعيل المؤثر الطبيعي.
وتعتبر الانطباعية هي التي ادخلت تفعيل هذا المؤثر بشكل قوي ولافت في المشهد التشكيلي بحيث أخذت من انطباع الشمس على الأشياء في تفاعل تام مع الطبيعة مقياسا لوضوح اللوحة ونفاذها الى العين بشكل اكثر بساطة مما كانت تصوره المدارس السابقة ولدينا اليوم رائد من رواد هذه المدرسة والذي يعتبره النقاد أمثال دوشامب ولوزار وشانتون انه الموجد الفعلي ومحور المدرسة الانطباعية ف(بيسارو) كما تقول (ليز بوليان) “هو الفنان التشكيلي الوحيد الذي ورد أحاسيسه لزملاء جيله ونعتبره هو محور تطور الانطباعية ان لم يكن هو الفارس الحقيقي خلف هذا التطور والقبول الذي تتمتع به هذه المدرسة ويضيف دوشامب في كتابه( 200 سنة فن تشكيلي) قد تتلفت حولك الآن غرفتك او في شقتك اذا كنت لازلت تحتفظ بلمسات والديك فيها قد تلتفت فتجد لوحة جميلة او اكثر قد تشعر انها لا تتميز بحس فني إلا من بعيد قد تكون لحقل او لفازة ورد او جسر على الماء هذه هي الانطباعية فأول لوحة او صورة كانت تدخل في ديكور المنازل منذ اوائل القرن العشرين وحتى الستينيات هي وليدة الانطباعية اذن عليك ان تشكر بيسارو على ذلك لأنه هو الذي جعلها تتمتع بهذا القبول والحميمية .
اذن (بيسارو) بشهادة كل نقاد الفن التشكيلي حالة فنية جديرة بالدراسة لكن قبل ان ندخل لعالمه الجميل والمريح للعين علينا ان نبسط للقارىء ظروف هذه الحركة الفنية المسماة (الانطباعية) حيث تعتبر الانطباعية نقطة تحول في تاريخ الفن بل تعتبر بداية الفن الحديث اطلق عليها اسم (الانطباعية) تسمية بعنوان لوحة للفنان (كلود مونيه) وهي انطباع شروق الشمس والتي قدمت في عام 1874 إلى الصالون الأول لمجموعة من الفنانين الفرنسيين الشباب فأخذت هذه الحركة التشكيلية تسميتها من هذه اللوحة.
كان أول معرض لهذه الجماعة افتتح في صالة نادار في نيسان 1874. اشترك فيه سيزان- ودوغا – مونيه -بيسارو- رنوار- سيسلي. وقد اثار هذا المعرض سخرية النقاد واستهجانهم واعتبر المعرض كفضيحة، بل انه سجل هبوطا في أسعار اللوحات 500 فرنك مانيه – 50 فرنك مونيه – 31 رنوار- 7 بيسارو . وصمدت الانطباعية وفنانوها أمام هذه اللحظات الصعبة وتتابعت معارض الانطباعيين ما بين 1876-1886، وظهرت أول الكتابات المدافعة عنهم وبعض مظاهر التأييد في عام 1881، ولم تدخل أعمال الانطباعيين وتقبل في اللوفر إلا بعد مضي اكثر من نصف قرن من قيام هذه المدرسة.
بدت الانطباعية في مراحلها الأولى وكأنها امتداد للنزعة الطبيعية ولكنها تميزت بعد ذلك بعدد من الخصائص والصفات التي أبرزت ملامح هذه الحركة. فلأول مرة يصبح اللون الوسيلة الأساسية للتعبير عن الحركة كذلك اعتمادهم في الوانهم على ألوان المنشور الصافية المتألقة وهي: الأصفر- الأحمر- الأزرق- الأخضر-البرتقالي البنفسجي- واستبعد اللون الأسود واللون الأبيض والألوان القاتمة.
كما استخدم فنانو الانطباعية ضربات الفرشة المجزأة وذلك من إدراكهم وتطبيقهم ما يسمى تباين الألوان، أي تقابل الألوان أو تجاورها قد يولد احساسات بصرية إيهامية لا وجود لها سوى في عين المشاهد. أي أن تجاور كلا من الأحمر- الأخضر الأصفر- بنفسجي برتقالي- أزرق يولد في عين المشاهد انطباعا بالحركة، فالألوان الحارة تبدو متقدمة، بينما توهم الألوان الباردة بالتراجع، كما قد ينتج عن تقابل لونين من هذه الألوان الشديدة التباين، إحساس بصري إيهامي، بوجود لون ثالث لا وجود له فعلاً.
كما تميز فنانو الانطباعية بخروجهم من مراسمهم ورسمهم من الطبيعة مباشرة وقد ساعد في ذلك اكتشاف أنبوب الألوان وكان على رأسهم بيسارو الذي اعطى للحركة اتجاها جديا.
ولد كامي بيسارو في سنة 1830 في شارولت إيملي، سانت توماس احدى الجزر العذراء الأمريكية وبقي في سانت توماس حتى سن الثانية عشرة ثم سافر إلى باريس ليستكمل تعليمه الثانوي هناك، وكان يأتي إلى سانت توماس في أوقات عطلته ليمارس هوايته المفضلة في الرسم. تزوج بيسارو من جولي فيلي وكانت خادمة في بيت والدته وأنجبا ثمانية أطفال توفى طفل عند ولادته وطفلة في سنة العاشرة وباقي أطفاله قد رسمهم بيسارو في لوحاته، ابنه الأكبر لوسيان صار تابعا لوليم موريس بعد ذلك.
في سنة 1855 سافر بيسارو إلى باريس وأكمل دراساته والتحق بكلية الفنون الجميلة والأكاديمية السويسرية. والتحق هناك بمدرسة الفنان كورو حيث بدأ تأثير الأخير واضحا على لوحاته المبكرة. وبعد سنة 1859 حاول بيسارو بحظ عاثر أن يعرض بعض لوحاته في صالون باريس- المعرض الدائم الرسمي في باريس ولكن بدون جدوى.. وبعد خمس سنوات أرسل للصالون الرسمي لوحته للمنظر الطبيعي حديقة قرب بونتوا التي رسمها كلها خارج الأستوديو أي على الطبيعة، وكان ذلك التقليد غير معروف لدى رسامي المناظر الطبيعية قبل الانطباعيين، الذين كانوا يخططون لوحاتهم للمناظر الطبيعية في الخارج فقط وينجزونها ويلونونها داخل استوديوهاتهم. وكان بيسارو يحاول آنذاك أن يقنع زملاءه الرسامين من أمثال رينوار، ومونيه، وسيزان، وسيزلي أن يرسموا لوحات المناظر الطبيعية خارج استوديوهاتهم. وكان الناس يقولون عن تدريسه الرسم لطلابه انه مدرس رسم ناجح إلى درجة يستطيع أن يعلم الرسم للحجارة.
كان كامي بيسارو عميدا للرسامين الانطباعيين، ليس بسبب كبر سنه وحسب، إنما بفضل حكمته واتزانه ولطفه وشخصيته الدافئة، وعلى الرغم من انه لم يكن عنده طموح أن يكون رئيسا للانطباعيين، كان الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يحل الخلافات والمشاجرات وسوء التفاهم بين زملائه الفنانين.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة