الوعي قبل التظاهر

سلام مكي *

بالرغم من الغليان المتصاعد للشارع العراقي، واتساع رقعة الاحتجاجات، وامكانية تحولها الى اعتصامات مفتوحة، الا ان هناك فئات محددة، مازالت تعيش اوهام ما بعد التظاهرات، مازالت تمارس دور المحامي وعن الاحزاب المتنفذة وعن شخصيات، كانت تتولى قيادة البلد. هذه المشكلة، اشبه بالسرطان الذي يصيب جسداً ما، ويتسع بمرور الزمن، حتى ينال من الجسد كله بالنهاية. نخشى ان يتسع هذا السرطان في جسد العراقي الخارج تواً من غيبوبة متعمدة، حتى يصل به الى نقطة البداية، وهي تغليب العاطفة الطائفية والدينية المتمثلة، بتصور ان هذه الاحزاب هي المخولة والمفوضة من قبل القوى الغيبية بتمثيلهم في السلطة، والبقية هم اعداء لهم ولمذهبهم. ثمة اسباب تدعوني الى عدم الثقة ببعض المتظاهرين، ونواياهم الحقيقية من وراء التظاهر، وهذا يعود الى صعوبة التجرد بين ليلة وضحاها من ادران الطائفية والتبعية الحزبية. فبالأمس، كانت الخصومات مشتعلة بين العراقيين حتى من داخل المجتمع الواحد، لأجل تشويه صورة الآخر وتبييض صورة احزابهم. برغم ان تلك الاحزاب لا تعترف بهم سوى ايام الانتخابات وبعدها تتركهم للإرهاب والفساد وقساوة الجو. فهناك متظاهرون ما إن يعودوا من التظاهرات حتى ينشرون على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي صورا وكتابات تمجد زعيم حزبهم وتنال من الحزب الآخر، وهذا يعني انهم لم يخرجوا للتظاهر ضد الفساد العام المستشري في جميع مفاصل الدولة والمشتركة فيه جميع الاحزاب المتنفذة، بل يتظاهرون في قرارة نفسهم ضد الاحزاب الأخرى ويتصورون انها المصدر الأول للفساد وهو شعور انصار الاحزاب الأخرى نفسها. التظاهر ضد السلطة وممارساتها يجب ان يسبقه امتلاك شعور بالانتماء الى الوطن بأجمعه لا الى الطائفة والحزب! وهذا الشعور يفترض ان المواطن يميز بين حقوقه وواجباته، وما له على الوطن وما عليه. وعليه ان يعرف ان مسؤوليته الوطنية، جسيمة خصوصاً في بلد تحدث فيه انتخابات، قد لا تكون نزيهة 100% لكنها يمكن ان تغير جزءا ليس صغيراً في بنية العملية السياسية. هذا المواطن قبل ان يتظاهر عليه ان يدرك ان السلطة التي يتظاهر ضدها، هو الذي جاء بها الى السلطة، وهو الذي اصر على انتخابها لثلاث دورات انتخابية، على الرغم من انها لم تتغير في تعاملها معه. المواطن العراقي، يسب الحكومة ويشتم البرلمان في هذه الايام، برغم ان التعبير عن الرأي والاحتجاج ضد السلطة لا يكون بهذه الاسباب، وانما هناك طرق قانونية ودستورية، يمكم للمواطن من خلالها التعبير عن رفضه لممارسات السلطة بطرق تكون ناجحة ومؤثرة بنحو كبير. الديمقراطية بطبيعتها مرنة، وقابلة للتغير مع تغير طبيعة المجتمع واهدافه وطموحاته. فهناك ديمقراطيات تعطي الحق للمواطن ان يغير السلطة في حال عدم تحقيقها لما يريد او في حال انحرافها عن اهدافها وبرنامجها الانتخابي، وهنك ديمقراطيات لا تسمح للمواطن بمعاقبة المسؤول الا بعد انتهاء الدورة الانتخابية البالغة اربع سنوات، وهذه الاخيرة هي التي اخذ بها الدستور العراقي. المواطن، لم يعاقب الحكومة برغم ان ممارستها لم تتغير منذ تنصيبها في 2005، والان وبعد مرور اقل من سنتين على الانتخابات انتخب الاشخاص والاحزاب نفسها. اليوم يتظاهر ضد هذه الحكومة ويطالب بمعاقبتها، بمنعها من تمثيله مجدداً في السلطة، ولكنه لا يستطيع، لأن هذه الحكومة وللأسف، محصنة بالقانون والتشريع! فهي حصنت نفسها منذ الايام الاولى لتوليها زمام السلطة بمجموعة من التشريعات والقوانين التي تضمن لها البقاء طويلا في السلطة برغم انف الانتخابات. بدءا من قوانين الانتخابات التي فصلت على مقاسات الاحزاب وامكانياتها ومروراً بقانون المحافظات وقوانين السلطة التشريعية وامتيازاتها وقانون نواب رئيس الجمهورية وحتى الدستور نفسه، هو بحد ذاته اكبر تحصين للحكومة. فإذا كانت الجماهير العراقية التي خرجت للتظاهر، جادة في اسقاط النهج الذي تسير عليه تلك الحكومات، فعليه اولا ان يدرك ان بقاء الاحزاب ذاتها والاسماء نفسها لا يمكن ان يتغير شيء والنهج باق على حاله، وتغيير هذه الاسماء والاحزاب، يستلزم من الشارع اليوم، بذل جهود اكبر من التظاهر والسب والشتم والمطالبة بأمور لا يمكن تحقيقها بجرة قلم من مسؤول واحد، لابد ان تدرك هذه الجماهير ان التغيير تملكه هي، عبر الانتخابات. ولكن مشكلة التظاهرات هو عفويتها، وعدم رجوعها الى مرجع معين يمكنه ان ينظم عملها وبالتالي، جعلها قوة منظمة، تضاهي قوة الحكومة والبرلمان. على الشعب والمتظاهرين ان يخطوا خطوات أكثر اهمية وصعوبة من التظاهر، عليهم ان يدركوا ان القوانين التي تتحصن بها السلطة لا تتغير الا بقوانين أخرى، وهذا التغيير، لا يمكن ان يتم الا بإزاحة من سن تلك القوانين. عليهم ان يختاروا مرشحين لهم في البرلمان، يخرج من رحم التظاهرات، مهمتهم الاساسية هي تغيير القوانين التي تشكل عائقاً امام تطلعات الشعب، وتؤسس لثقافة السلطة من منظور ديمقراطي حقيقي، لا مزيف، عليهم ان يختاروا اسماءً من دون النظر الى طائفتها ومذهبها.

*كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة