علي كنعان في (برزخ الجنون)

أحمد خضر

اكتسب الشاعر السوري علي كنعان قدرة على نسج القصيدة الشعرية بأسلوب حكائي فلسفي صوفي، بمعنى أن الرمز في القصيدة يكون جميلاً مستحباً إذا كان واضحاً، كما أفاد الشاعر من التجربة اليابانية، ومن تجارب الشعراء العرب والأجانب وهو شاعر مفطور بطبعه، وله تجربته الشعرية الطويلة التي أصدر فيها 9 مجموعات شعرية، كتب نصفها خلال حياته في الإمارات.
يقول الشاعر علي كنعان إنه “اكتشف أن الشعر غير جماهيري، ولابد له في هذه الحالة أن يستفيد من كلام الشاعر، ولا يهبط إلى مستوى الجمهور، وهنا تكمن إشكالية القدرة على التوصيل من خلال اللغة أو الصورة الشعرية على حد سواء”.
وزعم أنه تجاوز النثرية من خلال وجوده في اليابان، وهو يطمح برؤيا جديدة دائماً في الكتابة.
وكانت قصائده الأخيرة عن العشق ومدينته حمص ونهر العاصي التي فاضت بأجمل كلمات الحب والغرام وسحر الطفولة والارتباط بقدسية المكان مسك الختام، وفي قصيدة ”وردة حمص” يقول: تنحني دائرة الوهج على/ صدر الأفق/ تلك أطياف المصابيح/ فلا تحلم بعيداً بالقمر/ الثريا نهضت من خدرها/ وهدير العربات/ يوقظ الفجر/ وآمال الرجال/ تثقل الدرب بخيرات البيادر.
الناقد السوري مفيد نجم قال عن كنعان “إنه كان واحداً من جيل الحداثة الشعرية بداية الخمسينات، ومن المؤسسين لمشروع الحداثة في سوريا”.
الشاعر العراقي حميد سعيد، وبعد ان فرغ من قراءة هذا العمل الشعري الذي يعلن العودة (القويّة) لعلي كنعان، بعد سنوات من الصمت، قال حميد “هذا أجمل عمل شعري لعلي كنعان”. وافقته على رأيه، وأضيف “علي كنعان من قلّة قليلة من الشعراء الذين يمضون قدما، يطوّرون قولهم الشعري، مع تقدمهم في العمر، يعني هو لا ينضب، ولكنه ينبجس شعرا رقراقا صافيا، بعد احتباس”.
وأضيف “أحسب أن السّر هو في كون علي كنعان طفلاً!.. في جنبيه روح طفل، مخيلة طفل، رغبات طفل، براءة طفل”.
الطفليّة عند علي كنعان هي في الأساس: براءةً، ودهشةً، وحنين، وتعلّق بالمرأة التي يمحضها حبّه الملتاع، المرأة الميناء الذي يختتم به الرحيل والضرب في الآفاق.
علي كنعان في (برزخ الجنون)، يتنقّل بين المرأة، وجنين البطولة والمذبحة، ويستعيد الأصدقاء الذين رحلوا، أولئك الذين جعلوا ليل دمشق شعرا وياسميناً، تبشيرا بالوحدة الآتية، وفلسطين التي لا بدّ أن تعود..
أيام الرومانسيّة انطوت، مخلّفةً الفواجع والحسرات، ولذا يأخذنا علي كنعان معه في رحلة الوجع والغربة والفقدان، وهو يخاطب المرأة التي يفترض أنها تمنحه الأمان، والميناء:
خلّي فتاك ساكنا تحت الشغاف
خليّه في غلائل الحلم
وفي هواجس الأرق
أليس طقسا رائعا أن تبحري معه
كما التحام الشمع واللهب؟

هذه هي رحلة المحبين في الزمن العربي الكسيح، إنها رحلة احتراق، لا أمان فيها، متعتها هي الاحتراق، وهذه المتعة حاجة، وخيار واع، يعطي في الختام معنى، ضوءا يبقى. أمّا وقد بلغ الشاعر هذا العمر الذي سفحه في ( الغربة)، فإنه يناجي الصبا، والطفولة:
يا طيوف الصبا، يا غيوم الطفولة
كيف ننسى أياديك في ضحوة السابعة؟
ونحن اليتامى، طيور العزاء،
نحتمي بالمثاني
وسورة ياسين
والفتح.. والمائدة
ولا شيء يخفي مباهجنا الساطعة
ولا خوف من شبح أو غراب
لكن الطفولة ضاعت، صوّحتها النكبات، والمصائب، جماعيّة، وفرديّةً، لذا يخاطب الشاعر حبيبته، وللشعراء دائما حبيبات هاجرات، أو موهومات مستحيلات، متخيلات:
ولا تسألي النهر عن سر أوجاعه
في عصور الجليد
ولا كيف أذوي بصحبة موتي
وأنت هنالك أحجية سادرة
وراء اختلاط الرؤى والظنون
وليس لقلبي حمى أو ملاذ
سوى أيكة الياسمين
علي كنعان يكتب شعره في زمن البنك العقاري، والبترودولار – لا بترول العرب للعرب، والشعارات الشجاعة..الضائعة -! والاحتلال، والموت في العراق، وفلسطين، ولبنان.. وغربته الشخصيّة كمواطن عربي، وشاعر عربي!
يختتم قصيدة (إشارة خضراء) بـ:
ولا تتركيني سمكا ذاهلاً
في قرار الشباك
علي كنعان لا ييأس، فالشعر بشارة، الشعر يمنح أملاً، الشعر يأخذ المتلقي إلى مستقبل أجمل، لا بالوهم، ولكن بالتعلّق بالحريّة، والامتلاء بالشعور بالكرامة في وجه عسف المحتلين الغزاة، والمتواطئين المحليين.
المشهد في الختام هو على حقيقته، أم نسينا (محمود طوالبة) بطل جنين ورفاقه أبناء المخيّم البسيط الذي أذاق جيش الاحتلال خسائر فادحة؟!
مدرعة، قلعة، زاحفة
وأسطورة،
من نجيع فتى
وذاكرة عاصفة
حجر نيزك في يد
لا تخاف
أمة تسترّد صباها
وتدخل فصل القطاف
وعلي كنعان افتقد صديقين شاعرين، كانا ملء السمع والبصر، امتزج شعرهما بياسمين الشام، وطفولتها في آخر الخمسينات – كان تعداد سكّان الشام آنذاك حوالي ثلاثمئة وسبعين ألف مواطن فقط! – وبدء هبوب رياح الحداثة الأدبيّة، والفنيّة، وامتلاء النفوس والعقول بالأماني الدانيّة: الوحدة العربيّة، والأمل باقتراب فجر فلسطين، ووعود الاشتراكيّة، والعدالة، والخروج من زمن التخلّف.
علي كنعان خسر فوّاز عيد، صديق الجامعة، وما بعدها، وممدوح عدوان صديق الجامعة وما بعدها أيضا..
رحل الذين أحبهم
وبقيت مثل السيف فرداً
هذا ما يردده علي كنعان، مع جدّه الشاعر العربي، ولكنه، وهو ابن القرن العشرين، وبداية القرن الحادي والعشرين، يقول شجنه، ولوعة فراقه للأحباب، بالتفعيلة ابنة البحر الشعري العربي، بروح زمنه، ورؤيته هو، فهو لا يعيش في عباءة جدّه:
طالت الغيبة
واسترخي على مائدة النجوى
جدار من جليد
آن أن تخرج من شرنقة الخوف
إلى ميعادك الشعري
يا فواز عيد
الشعر هنا ليس مجرّد مراثٍ هي قيام بواجب تجاه أصدقاء، ففي الشعر أمكنة، وأزمنة، وفي الخلفيّة أحداث عصفت، واقتلعت، ودمّرت، وشباب اكتهلوا في زمن الهزائم، وماتوا موجوعين حزاني.
ضاقت الساعة
هكذا يبدأ قصيدة (الحصان الخشبي) المهداة لممدوح عدوان، وهي قصيدة تتكوّن من مقاطع، أو (حركات)، فيها سيرة ممدوح التي تبدأ من بلدته (دير ماما) على الساحل السوري، وفيها صخب حياة ممدوح الريفي الذي اقتحم المدينة، دمشق، حين وفدها طالبا في الجامعة، بـ(عدوانيّة ) مستفزة، هي قناع يتحدّى به خجله، وتواضع نشأته، وتشاوف المدينة عليه، تلك المدينة التي منحته العلم في الجامعة، والنجوميّة في الصحافة منذ كان في الجامعة، ثمّ الشهرة الطاغية المجتاحة لفضاء الشام الثقافي، الشام مدينة الياسمين السمحة التي أحبها ممدوح، وعاش فيها حتى رحيله.
ضاقت الساعة
ساخ الليل في حمّى سكون الأرصفة
حقبة غادرها عشّاقها
الحقبة التي غادرها عشّاقها، اختتمت بالموت الفاجع لشعراء في أوج شبابهم وعطائهم، فوّاز عيد انفجر دماغه، وممدوح افترسه السرطان، وصوّح بشجرة عمره الخضراء، أسكت صخب حضوره، وحيويته..
بعد المدخل الذي يبدو هادئا، ينتقل علي كنعان، في المقطع الثاني ليرسم خصيصة من سلوكيات ممدوح:
ليس من عادته أن يخلف الموعد
أو ينسى أحبّاء السهر
ربّما راح يزور الوالدة
ربّما طاف به سرب ظباء
ربّما استوقفه ظل غراب
والغراب حين ينعب، يكون الفأل السيء عند الريفيين، وعلي كنعان وممدوح ريفيّان، والصورة ذكيّة: ظل غراب، فالظّل يسقط من حالق، من فوق..
علي كنعان، يعود بعد سنوات غياب امتدّت طويلاً، بدأ عودته بمجموعته: (نخلة اسمها فاطمة)، ثمّ بهذه المجموعة (برزخ الجنون)، ومن بعد بـ(أبجديّة الينابيع).
هذه المجموعات الثلاث يمكن اعتبارها عملاً شعريّا واحدا، هو تتويج لرحلة هذا الشاعر الذي أينعت موهبته بعد صمت، وتشرّد، لأنها موهبة أصيلة، مثقّفة، منتمية إلى الحياة والإنسان..
علي كنعان لم ييأس، وهو يعبر برزخ الجنون، فالجنون الذي يرفعه علي كنعان، هو الجنون الذي يعصف بكّل هذا الخراب الذي يجتاح بلاد العرب، ويتلف حياتهم..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة