الأخبار العاجلة

أفندية الاحتجاجات

يحظى ما يمكن ان نطلق عليهم بـ (افندية الاحتجاجات) بشعبية لا مثيل لها من جمهور اللايكات، خاصة عندما يرصعون منصاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي بصورهم الاستعراضية تحت نصب جواد سليم وسط العاصمة بغداد والمحافطات المتجحفلة معها بتظاهرات. ليس هناك أدنى شك من الحالة المزرية والتي وصلت اليها الاوضاع في هذا الوطن المنكوب، اوضاع تستدعي لا التظاهرات وحسب بل هي تستحق وسائل واساليب ونشاطات تتجاوز مثل هذه الاحتجاجات المعروفة، لكن ماهي الامكانات الواقعية لا الخيالية والتي بمقدورها تحويل مثل هذه الرغبات المشروعة جداً الى واقع، خاصة وان هذا الجيل الجديد من الافندية لا يرغب بالالتفات لمثل هذا الافلاس الذي نعيشه بفعل شروط موضوعية لا تعير دقلاته واطواره المتقلبة أدنى اهتمام. فعن اية دولة مدنية يجري الحديث، وعن اية علمانية يجري التسويق؟ هكذا لان الافندية رفعوا مثل هذه اللافتات ستتحول الى واقع برغم أنف نصف قرن من الهزائم الحضارية والانحطاط على شتى الجبهات المادية والقيمية. الا يكفي 12 عاماً من شوط الفتح الديمقراطي المبين، وكيف تقيأت الصناديق والاصابع البنفسجية؛ أكثر سلالات اللصوص والاجرام فتكاً في تاريخنا الحديث.
مجرد قراءة سريعة لأبرز المحطات والمنعطفات التي عاشها سكان هذا الوطن، الذي كان رائداً في طموحات اهله وآمالهم في اللحاق بركب الامم الحرة ذات عصر؛ تساعدنا في استرداد النشاط الواقعي والمسؤول، القادر وحده على انتشال مشحوفنا المشترك من سيناريوهات الموت والغدر المتشبثة به منذ أكثر من نصف قرن. المحطات المشرقة في تاريخنا كانت دائماً تستند الى المواقف والسياسات الحكيمة التي تضع نصب عينيها المصالح العليا للوطن والناس، سياسات تجمع قطاعات واسعة من بنات وابناء هذا الوطن، توحد جهودهم وتطلعاتهم الواقعية المشروعة في العيش بحرية وكرامة على تضاريسه. وبالضد من ذلك عندما نجحت جبهة حثالات البشر ومموليهم من خارج الحدود، في تصفية خيرة القيادات الشعبية والعلمية والمهنية التي صقلت مواهبها عبر عقود من الكفاح السياسي والنقابي المتمرس، حيث شرعت الابواب أمام طوفان التشرذم المثقل بكل موبقات وأمراض التاريخ، من كراهة للآخر المختلف والترويج لكل ماهو مسخ ولا انساني من ترسانة الموروثات الصدئة.
مثل هذه الامور لا يطيقها (الافندية) ممن ادمنوا على نسج الخيالات المجنحة، والتي تتصور الحركات الاجتماعية والسياسية رهن اشارة مزاجهم المتقلب، فمرة يلعنون السياسة والسياسيين (ذلك الحقل الملوث) وهم على صهوة بروجهم الثقافية المتورمة، وفجأة تراهم يتصدرون موجات العنفوان العابرة بوصفهم هدية الاقدار لمجتمعاتهم الحائرة، وعندما تخبو الحماسة وتتشرذم الرايات والحشود، يعودون الى صومعاتهم العبثية ومواويلهم اليائسة والناقمة، من خذلان الجمهور لعبقرياتهم وفزعاتهم الفذة. ومن الاهمية بمكان الاشارة الى ان التظاهرات والاعتصامات ليست بحد ذاتها خيراً مطلقاً، خاصة عندما تكون بلا هوية وملامح، ولنا في التجربة الشيلية والتظاهرات التي مهدت الطريق للاطاحة بالرئيس المنتخب سلفادور الليندي بواسطة العسكر مثال عن ذلك، لذا علينا بجرعة متواضعة من التريث والحذر بعد هذا الكم الهائل من الخيبات.. وذلك اضعف الايمان.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة